خبراء اقتصاديون يتحدثون عن التكامل الاقتصادي العربي بين الفرص والتحديات العصرية
التحرير – اقتصاد ومال
يشهد العالم اليوم تحولات اقتصادية كبيرة تتطلب من الدول العربية تعزيز التكامل الاقتصادي لتحقيق التنمية المستدامة. في هذا التقرير، سوف نتناول التكامل الاقتصادي العربي بين الفرص والتحديات العصرية.
ترى الدكتورة نوف بنت عبدالعزيز الغامدي، المستشارة في التنمية الاقتصادية والحوكمة الإقليمية، في المنطقة العربية اتفاقات واسعة للتكامل الاقتصادي، من أبرزها منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) التي تضم أغلب الدول العربية، وتشكل جزءًا رئيسيًا من إطار التكامل التجاري. رغم ذلك، تظل نسبة التجارة البينية العربية ضئيلة مقارنة بالإمكانات؛ فوفق تقرير حديث من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، لمست ثمانية 14% من إجمالي الصادرات العربية في 2023، ما يعكس محدودية أثر هذه الاتفاقات في خلق سوق عربية متكاملة فعليًا.
وأشارت الغامدي إلى أن تعزيز التجارة البينية يتطلب الانتقال من مجرد خفض الرسوم الجمركية إلى إرساء تكامل إنتاجي فعلي. يشمل ذلك بناء سلاسل قيمة مشتركة في الصناعات والخدمات والربط اللوجستي بين الأسواق. ومع أن التجارة البينية الحالية تمثل نحو 14% من إجمالي الصادرات العربية، فإنها ترتفع بشكل أوضح في السلع غير النفطية، ما يشير إلى فرصة لتنمية القطاعات الإنتاجية وزيادة القيمة المضافة.
وأوضحت الغامدي أن التحديات الرئيسية تتمثل في التذبذب السياسي وعدم الاستقرار في بعض الدول، وتباين السياسات الاقتصادية والهياكل الإنتاجية، فضلًا عن وجود عوائق غير جمركية ومعايير متنوعة تزيد من تكلفة التجارة بين الدول. كما يظهر أن التكامل العربي لا يزال أقل بكثير من مثيله في مناطق أخرى؛ ففي أوروبا تبلغ حصة التجارة البينية نحو 60% من إجمالي التجارة، بينما لا تتجاوز هذه النسبة في الشرق الأوسط حوالي 7–8% حسب تسميات الاقتصاديات الإقليمية.
وتؤكد الغامدي أن التغلب على هذه العقبات يتطلب اعتماد نهج تدريجي يركز على مشروعات قطاعية استراتيجية مثل الغذاء والطاقة واللوجستيات، وتوحيد المعايير الفنية والجمركية بين الدول، مع إنشاء آليات تنفيذ ومتابعة قوية داخل الأطر الاقتصادية القائمة. كما أن تطوير البنية التحتية الرقمية والحدودية من شأنه خفض تكلفة التجارة البينية وزيادة تنافسية السلع العربية داخليًا وخارجيًا.
وذكرت الغامدي بإن المنطقة تزخر بفرص استثمارية كبيرة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والأمن الغذائي. وفي عام 2021، بلغ إجمالي صادرات الدول العربية نحو 1.04 تريليون دولار، مقارنة بـ755.6 مليار دولار في 2020، بزيادة تقارب 37%، ما يعكس وجود حركة تجارية مهمة يمكن توجيهها بصورة تكاملية، وترى أن تعزيز الاستثمارات العربية يتطلب مواءمة السياسات الاستثمارية بين الدول، وتفعيل مؤسسات التمويل الإقليمية مثل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى برامج مثل برنامج تمويل التجارة العربية الذي يدعم التجارة البينية. كما أن توجيه الاستثمارات نحو مشاريع إقليمية مشتركة يعزز من الأثر التنموي مقارنة بتمويل مشاريع منفصلة داخل سوق كل دولة.
وأشارت إلى أن التكنولوجيا تلعب دورًا محورياً في تسهيل التجارة وتخفيض تكلفتها، خاصة عبر رقمنة الإجراءات الجمركية، وتبادل البيانات، وتبسيط الإجراءات الحدودية. ويؤكد عدد من التقارير أن تسهيل التجارة الرقمية يمكنه أن يخفض الفجوة في الانسيابية التجارية بين الدول العربية ويعزز مشاركة الأسواق على مستوى إقليمي.
وأوضحت أن فرص التعاون تشمل المدفوعات الرقمية، والمنصات اللوجستية الذكية، وحلول البيانات المشتركة التي تربط بين أنظمة التجارة والجمارك والخدمات اللوجستية. كما توجد إمكانات للتعاون في البحث والتطوير المرتبط بالأمن الغذائي والطاقة والمياه، شريطة إرساء معايير رقمية مشتركة وقابلية التشغيل البيني بين الأنظمة.
حيث تؤكد الغامدي أن التحول نحو الطاقة المتجددة وإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام يمثل فرصة قوية لتعزيز التكامل العربي، خاصة في ضوء الارتفاع العالمي في الطلب على الطاقة النظيفة. ويمكن للربط الكهربائي والتعاون في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أن يوفر كفاءة أعلى ويخفض التكاليف على مستوى المنطقة، إلى جانب فرص التعاون في إدارة المياه والنفايات.
وختمت الغامدي حديثها بإن التكامل الداخلي يزيد من قدرة الدول العربية على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية وجذب الاستثمارات. فالعلاقة بين حجم التجارة البينية وقوة الاندماج الخارجي متينة؛ فكلما اتسعت التجارة البينية، ارتفعت قابلية الاقتصادات العربية للاشتراك في تحالفات تجارية واستثمارية أكبر مع شركاء عالميين.
وفي نفس السياق، أوضح الدكتور علي محمد الحازمي، الخبير في الاقتصادات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، أن هناك العديد من اتفاقات التكامل الاقتصادي الثنائية والبينية والإقليمية في المنطقة العربية، مثل اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) واتفاقيات ثنائية بين الدول العربية. وأضاف الحازمي أن تعزيز التجارة البينية العربية وتحقيق التنمية الاقتصادية يمكن أن يتم من خلال تقليل الحواجز الجمركية، وتحسين البنية التحتية، وتشجيع الاستثمارات المشتركة.
وأشار الحازمي إلى أن التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه التكامل الاقتصادي العربي هي الاعتماد على النفط، وعدم الاستقرار السياسي في بعض الدول العربية. وأكد الحازمي أن التغلب على هذه التحديات وتعزيز التعاون الاقتصادي العربي يمكن أن يتم من خلال تعزيز الحوار، وتنويع الاقتصادات، ودعم المؤسسات الإقليمية.
كما أوضح الحازمي أن هناك فرص استثمارية متاحة في المنطقة العربية في قطاعات الطاقة، والسياحة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية. وأضاف أن تعزيز الاستثمارات العربية وتحقيق التمويل اللازم للمشاريع الاقتصادية يمكن أن يتم من خلال تحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، وإنشاء صناديق استثمارية مشتركة.
وأشار الحازمي إلى أن التكنولوجيا والابتكار يمكن أن تعزز التكامل الاقتصادي العربي من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم الابتكار، وتشجيع التعاون التكنولوجي. وأضاف أن هناك فرص متاحة للتعاون في مجال التكنولوجيا والابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والابتكار في الطاقة المتجددة.
وأوضح الحازمي أن تعزيز التكامل الاقتصادي العربي في مجال البيئة والتنمية المستدامة يمكن أن يتم من خلال التعاون في مشاريع الطاقة المتجددة، وإدارة الموارد المائية، وحماية البيئة. وأضاف أن هناك فرص متاحة للتعاون في مجال الطاقة المتجددة والحماية البيئية في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، والاقتصاد الدائري، والحفاظ على التنوع البيولوجي.
كما أشار إلى أن تعزيز التكامل الاقتصادي العربي مع التكامل الإقليمي والعالمي يمكن أن يتم من خلال المشاركة في الاتفاقيات التجارية الإقليمية والعالمية، وتعزيز التعاون مع الدول الأخرى. وأضاف أن هناك فرص متاحة للتعاون مع الاتحاد الأوروبي، والصين، والولايات المتحدة، ودول آسيا.
وختم الحازمي حديثه بأن التكامل الاقتصادي العربي يتطلب تعاونًا مشتركًا بين الدول العربية لمواجهة التحديات وتحقيق الفرص المتاحة. من خلال العمل المشترك، يمكن تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة المنطقة العربية على الساحة العالمية.

