هل سيقود ترامب العالم إلى سلام القطبية الضخم؟
التحرير – السياسية
زيارة دونالد ترامب إلى بكين منتصف مايو 2026 لم تكن بروتوكولاً عادياً. كانت محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم، وفي قلبها فكرة قديمة جديدة: أن استقرار النظام الدولي يعتمد على تفاهم بين القوتين الكبريين. وصف ترامب اللقاء بـ”جي2″، أي اعتراف بأن القرن الحادي والعشرين لن يُدار بقوة واحدة، بل بتفاهم أمريكي-صيني.
الرسالة التي أراد الجانبان إيصالها للعالم تجلت في مأدبة الترحيب التي أقامها الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى يوم 14 مايو. هناك قال شي إن العلاقات الصينية-الأمريكية هي أهم علاقة ثنائية في العالم حالياً، وإن كلا البلدين “يربح من التعاون ويخسر من المواجهة”. وأضاف أن البلدين ينبغي أن يكونا “شريكين لا خصمين”، واتفقا على بناء علاقة بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي لجلب المزيد من السلام والازدهار للعالم. وأوضح أن قدرة هذه العلاقات على التقدم بثبات تتوقف على الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجانبين، مشيراً إلى أن هذه العلاقات تتعلق برفاهية أكثر من 1.7 مليار شخص في البلدين، وتؤثر على مصالح أكثر من 8 مليارات إنسان حول العالم. من جانبه، قال ترامب في كلمته إن الجانبين أجريا محادثات إيجابية وبنّاءة، وإن العلاقات الأمريكية-الصينية هي أكثر العلاقات الثنائية تأثيراً في العالم، وأنه يتعين على البلدين تعزيز التعاون من أجل خلق مستقبل أفضل للعالم.
هذه اللغة التصالحية تعطي انطباعاً بأن الأرضية متوفرة جزئياً للتهدئة. لقاء أكتوبر 2025 في كوريا الجنوبية أنهى جولة من الحرب التجارية باتفاق على التراجع عن قيود تجارية مختلفة، وتبعه تفاهم ضمني على حماية الملاحة في مضيق هرمز رغم التوتر الإقليمي. الطرفان يدركان أن الفوضى الاقتصادية تضر الجميع، وأن منع الانزلاق إلى صدام مباشر يصب في مصلحتهما. زيارة ترامب نفسها جاءت بعد سنوات من حروب الرسوم الجمركية، وتعتبر أول زيارة لرئيس أمريكي حالي إلى الصين منذ 2017، ما يعكس رغبة الطرفين في كسر الجمود.
لكن التوقعات العقلانية تقول إن هذا التفاهم سيظل هشاً لأن التنافس انتقل إلى قلب السيادة التكنولوجية. سباق الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة لم يعد ملفاً تجارياً، بل معركة على من يحدد قواعد المستقبل. الصين تتقدم بسرعة كقوة تكنولوجية وعسكرية، والولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لقبولها شريكاً كاملاً في هذه المجالات. ترامب يزيد من التعقيد بأسلوبه المتذبذب: يرفع قيوداً تقنية عن الصين في شهر ثم يعلن أكبر صفقة أسلحة لتايوان في الشهر الذي يليه. هذا الغموض يمنح مساحة للمناورة، لكنه يزرع القلق لدى اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ويجعل أي سلام ناشئ مرتبطاً بمزاج البيت الأبيض أكثر من كونه قاعدة ثابتة. كما أن ترامب شخص نفعي يفضل صفقات المدى القصير، وهو غير مهتم بمؤسسة نهجه المعتدل تجاه الصين، وهو الأمر الذي كان سيساعد في خلق استقرار طويل الأمد.
والأهم أن العالم لم يعد ثنائياً. الاتحاد الأوروبي لا يريد أن يُجبر على الاختيار بين السوق الصيني والتحالف الأمني الأمريكي، والهند ترى في أي تقارب أمريكي-صيني تهديداً لتوازنها في المحيط الهندي، وستسارع لتعزيز تحالفاتها مع طوكيو وكانبيرا. بمعنى آخر، حتى لو اتفقت القوتان الكبريان، فإن القطبية لن تكون ثنائية نقية. ستكون قطبية ضخمة محاطة بأقطاب إقليمية تسعى للحفاظ على هامش مناورة، وهذا يحد من قدرة ترامب على فرض “سلام” أحادي الرعاية.
لذلك، الأرجح أن نشهد خلال السنة القادمة هدنة عملية في ملفات التجارة والتكنولوجيا والملاحة البحرية، تمنع تصعيداً مفتوحاً في أزمات إيران وتايوان. لكنها لن تنهي التنافس البنيوي، ولن تؤس لقطبية هادئة مستقرة ما لم تتحول إلى تفاهم مؤسسي يتجاوز شخص ترامب وشهية شي جين بينغ للتفاوض الثنائي. بمعنى آخر، قد نحصل على “سلام مؤقت للقطبية الضخم” وليس سلاماً دائماً.
في نهاية المسار يبدو أن ترامب قادر على قيادة العالم نحو لحظة تهدئة نادرة، لأنه يرى في الاتفاق مع الصين وسيلة لإعادة تقديم أمريكا كقوة عظمى غير منشغلة بحروب لا تنتهي. لكن هذه القيادة مشروطة ببقاء المصلحة الآنية أقوى من التناقض الاستراتيجي، وبقدرة الأقطاب الإقليمية على القبول بالدور المرسوم لها. إذا نجح في تحويل لحظة بكين إلى قنوات حوار دائمة حول الأمن التكنولوجي والطاقة والملاحة، فقد نذكر زيارة مايو 2026 كنقطة تحول. وإذا لم يحدث ذلك، فستبقى مجرد استراحة محارب في صراع أطول، ورسالة السلام بين الأقطاب تبقى أمنية معلقة على جدار الواقع.

