التخصص الدراسي.. كيف نوازن بين الشغف والقدرات؟
بقلم :د.جواهر الروقي
ذات مرة، كان أحدهم يخطط للسفر إلى مدينة سياحية طالما حلم بزيارتها ، رسم في ذهنه تفاصيل الرحلة، وتخيل الشوارع التي سيمشي فيها والأماكن التي سيزورها ، كان الشغف يقوده بقوة نحو وجهته، حتى بدا له أن الوصول إليها هو الخيار الوحيد الذي يستحق العناء ، لكن عند منتصف الطريق، اكتشف أن الواقع يحمل تفاصيل لم تكن ضمن أحلامه الأولى؛ فهناك إجراءات إضافية، ومتطلبات كثيرة، وتكاليف تفوق موارده الحالية ، توقف قليلًا، ليسأل نفسه سؤالًا مهمًا: هل الإصرار على الوجهة وحده يكفي؟
فتح خريطة السفر من جديد، وبدأ يقرأ المشهد بعين مختلفة. لم يعد ينظر إلى ما يرغب فيه فقط، بل إلى ما يستطيع تحقيقه أيضًا ، وبعد بحث وتأمل، وجد مدينة أخرى أقل بُعدًا، وأكثر توافقًا مع إمكاناته وموارده الحالية ، اتخذ قراره، واتجه إليها، واستمتع برحلته، وعاد محملًا بالسعادة والإنجاز، دون أن يشعر أنه تنازل عن ذاته أو خسر حلمه.
هذه القصة تشبه إلى حد كبير رحلة اختيار التخصص الدراسي ، فكثير من الطلاب يقفون أمام مفترق طرق بين شغفهم وقدراتهم، ويعتقد بعضهم أن النجاح يتحقق باتباع الشغف فقط، بينما يرى آخرون أن القدرات وحدها هي المعيار الأهم ، والحقيقة أن النجاح المستدام لا يسير في أحد الطريقين منفردًا، بل يولد من التوازن بينهما.
في علم السلوك، هناك مبدأ مهم يسمى “المواءمة بين الرغبة والقدرة” ، فالإنسان يكون أكثر استمرارية وإنتاجية عندما يختار مسارًا يجمع بين ما يحبه وما يستطيع أداءه بكفاءة ، أما عندما يطغى الشغف على الإمكانات دون استعداد حقيقي، فقد يواجه الإحباط والتعثر ، وفي المقابل، عندما يختار تخصصًا يتوافق مع قدراته لكنه لا يشعر تجاهه بأي اهتمام، فقد يفقد الدافعية مع مرور الوقت.
ومن المنهجيات السلوكية الفعالة في اتخاذ القرار الدراسي ما يعرف بـ”التقييم الواقعي للذات”، والذي يقوم على ثلاثة أسئلة بسيطة:
ماذا أحب؟
ماذا أجيد؟
ماذا يحتاجه سوق العمل أو البيئة المحيطة بي؟
عندما تتقاطع إجابات هذه الأسئلة الثلاثة، تظهر منطقة الاختيار الأكثر اتزانًا.
إن اختيار التخصص ليس اختبارًا لإثبات الشجاعة، ولا معركة لإرضاء الآخرين، بل قرار استراتيجي طويل الأمد ، لذلك من الحكمة أن ينظر الطالب إلى موارده المعرفية، وقدراته الشخصية، وظروفه الحالية، تمامًا كما نظر المسافر إلى خريطة رحلته وموارده قبل اتخاذ قراره ، والأجمل من ذلك أن اختيار الطريق الأنسب لا يعني التخلي عن الأحلام، بل يعني الوصول إليها بخطوات أكثر واقعية واستدامة ، فكم من طالب اختار تخصصًا مناسبًا لقدراته، ثم وسّع دائرة شغفه داخله حتى أصبح متميزًا ومبدعًا فيه ، وكم من شخص ظن أن تغيير وجهته تراجع، ليكتشف لاحقًا أنه كان بداية نجاحه الحقيقي.
في نهاية المطاف، ليس المهم أن تسلك الطريق الأكثر بريقًا، بل الطريق الذي يمكنك أن تمضي فيه بثبات ، فالشغف يمنحك الدافع للانطلاق، والقدرات تمنحك القدرة على الاستمرار، أما النجاح الحقيقي فيولد عندما يسيران معًا في الاتجاه نفسه.
