الاختلاط لا يصنع حضارة، يكشف من سيبتلع من
بقلم: د. علي محمد الحازمي.
الاختلاط بين الثقافات، يبدو للوهلة الأولى، مشهدا جميلا من التسامح والانفتاح، لكن التاريخ يقول كلاما آخر. ما يحدث عند التلاقي، لا يكون انصهارا متساويا، هو اختبار قوة. ابن خلدون، لخص هذه الحقيقة منذ قرون، بجملة واحدة: “المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب”.
مقولة “المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب”، هي قاعدة اجتماعية شهيرة، وردت في مقدمة ابن خلدون، ضمن الفصل الثالث والعشرين. معنى المقولة، تعني أن الطرف المهزوم أو الضعيف، يميل دائما لتقليد الطرف المنتصر أو القوي. يشمل هذا التقليد، اللباس، والزي، والشارات، والمعتقدات، وسائر العوائد والأحوال.
هذه الجملة، هي مفتاح فهم ما يجري اليوم، من منظور الانفتاح العالمي التقني، وفي هواتفنا، وفي حسابات التواصل الاجتماعي العالمية، وأذواقنا. ما كان مستهجنا بالأمس، صار مقبولا اليوم. وما كان مقبولا اليوم، سيصير قدوة في الغد، إذا كان يحمل ختم القوة. القوة هنا، لا تعني الجيوش، تعني من يملك المنصة، والصورة، والسردية. عندما تمتلك ثقافة ما أدوات الإنتاج، فإنها لا تفرض نفسها بالقوة، الناس تذهب إليها طوعا.
خذ اللغة، مثالا حيا. تشير بيانات حديثة، أن اللغة الإنجليزية، تشغل نسبة 58.8% من إجمالي مواقع الإنترنت، بينما المحتوى العربي، لا يمثل سوى 0.9% من إجمالي المواقع. وفي إحصائية أخرى لعام 2025، تصل حصة الإنجليزية إلى 49.2% من كل مواقع الويب. هذه الأرقام تعني، أن طفلا عربيا، يقضي 4 ساعات يوميا على الإنترنت، يتعرض لقاموس ومفاهيم ونكات إنجليزية، أكثر مما يتعرض للغته الأم. النتيجة، كلمات مثل “ترند”، و”كونتنت”، و”لايف”، صارت جزءا من حديثنا اليومي، دون أن نشعر بالغرابة. هذا هو التحول، من غير المألوف، إلى المألوف.
المثال الثاني، يظهر في الموضة والاستهلاك. تقرير اليونسكو حول تجارة السلع الثقافية، كشف أن حجم التجارة في السلع الثقافية، بلغ 212.8 مليار دولار عام 2013، وتضاعف خلال عشر سنوات. هذا الرقم يكشف، أن الثقافة صارت سلعة، تباع وتشترى. عندما ترى شابا في جدة أو القاهرة، يرتدي قميصا عليه كتابة يابانية لا يفهمها، أو فتاة تقلد رقصة كورية، فهذا لا يعكس انفتاحا فقط، يعكس أن تلك الثقافات، نجحت في تحويل رموزها إلى سلعة مرغوبة عالميا. الثقافة التي تصدر السلعة، تصدر معها القيمة.
والإحصائية الأخطر، تأتي من اليونسكو أيضا، حيث تشير تقديراتها، إلى أن 50% من لغات العالم، البالغة نحو 7000 لغة، مهددة بالاندثار خلال أجيال قليلة، لأنها غير ممثلة في التعليم والإعلام والإنترنت. هذا يعني، أن الاختلاط الرقمي الحالي، يسرع عملية انتقاء قاسية، يبقي لغات قليلة مهيمنة، ويقصي الباقي.
الاختلاط إذن، لا يصنع حضارة جديدة متوازنة، هو يكشف، من يملك القدرة على البقاء، ومن يملك القابلية للذوبان. الحضارات القوية، لا تمنع الاختلاط، هي تدخله وهي تعرف، ماذا تأخذ، وماذا تترك. تتعلم لغة الآخر، دون أن تنسى لسانها، وتستهلك منتج الآخر، دون أن تستهلك قيمه كاملة.
السؤال الحقيقي، لا يتمثل في كيف نمنع الاختلاط، فالمنع مستحيل في عصر الإنترنت. السؤال يتمثل في كيف نكون نحن، الطرف الذي يبتلع، دون أن يبتلع. هذا يتطلب إنتاجا ثقافيا قويا، محتوى رقميا عربيا، يتجاوز نسبة 0.9%، وسلعا ثقافية، تحمل هويتنا إلى العالم، بدل الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
