ما بين الصبر والاصطبار
بقلم: د. جواهر الروقي
ليس أشقَّ على الإنسان من أن يبذل ما يستطيع، ثم يقف أمام ما لا يستطيع تغييره؛ فلا هو قادر على استعجال ما ينتظر، ولا هو مطمئن إلى ما تخبئه الأيام ، وبين رغبةٍ تدفعه إلى الوصول، وحكمةٍ تدعوه إلى التمهّل، تتشكل واحدة من أعمق تجارب الحياة الإنسانية: الصبر، وما يتجاوزه إلى الاصطبار ، فقد نصبر حين تضيق بنا اللحظة، لكن الاصطبار يظهر حين يطول الانتظار، وتخفت حماسة البدايات، فنواصل السير ونحسن الظن بالله، وإن لم تمنحنا الوقائع ما يطمئن قلوبنا.
ولعل أكثر ما يستنزفنا ليس صعوبة الحياة وحدها، بل استعجالنا لما نريد منها؛ نستعجل نضج العلاقات، وقطف ثمار العمل، وإدراك العلم، وتحقيق الأمنيات، وننسى أن لكل شيء زمنه الذي لا تختصره الرغبة ، فالبذرة لا تصبح شجرة لأننا نكثر من النظر إليها، ولا يكتسب الإنسان حكمته بكثرة السنوات بقدر ما يكتسبها من حسن التعامل مع تجاربها ، وهكذا نمضي أحيانًا نخاصم الطريق لأنه طال، بينما الطريق نفسه هو الذي يعلّمنا كيف نصل.
وفي العلاقات الإنسانية، لا يعني الصبر أن نحتمل كل ما يصدر عن الآخرين، وإنما أن نتريث قبل أن نحكم، وأن نمنح المواقف فرصة للفهم قبل أن تتحول إلى خصومات؛ فكم من علاقة أفسدها استعجال العتاب، وكم من مودة أضاعها سوء الظن، وكم من كلمة قيلت في لحظة غضب بقي أثرها أعوامًا في قلب إنسان ، ولو امتلك أصحابها لحظة من التروي، لوجدت الحكمة طريقها إلى الكلام.
ومن هنا نفهم عمق المنهج النبوي في التعامل مع النفوس، فقد قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». فالرفق يعلّمنا أن القوة ليست في سرعة الرد، بل في امتلاك النفس حين تستفزها المواقف، واختيار ما يصلح القلوب بدلًا مما يشبع لحظة الغضب ، غير أن الرفق لا يعني التفريط، كما أن الصبر لا يعني البقاء في كل موضع؛ فالحكمة أن نعرف متى نحتوي، ومتى نعاتب، ومتى نغادر بسلام، دون أن يتحول الألم إلى رغبة في إيذاء الآخرين.
وفي ميادين العمل، يتكرر المعنى ذاته؛ فقد يظن الإنسان أن الاجتهاد وحده كافٍ للوصول، ثم تبيّن له الأيام أن الكفاءة تحتاج إلى وقت حتى تظهر، وأن الخبرة تُكتسب من النجاحات والأخطاء والمواقف التي نتعلم منها ، وقد يعمل طويلًا دون أن ينال التقدير الذي يرجوه، أو يتأخر عنه منصب ظن أنه قريب، فيصبح أمام اختبار حقيقي: هل يربط قيمة نفسه بسرعة الاعتراف بجهده، أم يواصل بناء قدراته حتى حين لا يصفق له أحد؟
هنا يتجلى الاصطبار بوصفه وعيًا لا استسلامًا؛ أن يراجع الإنسان أداءه، ويطور مهاراته، ويطالب بحقه بحكمة، ويبحث عن الفرص دون أن يسمح للتأخير بأن يحوّله إلى شخص ساخط ، فليس كل تأخر حرمانًا، وليس كل وصول نجاحًا؛ إذ قد يصل الإنسان إلى المكان الذي أراده قبل أن يمتلك النضج الذي يحفظ له البقاء فيه.
وفي العلم والتعليم، تتضح حقيقة أن المعرفة رحلة لا تنتهي عند شهادة، وأن المعلم لا يصنع أثره في يوم، كما أن المتعلم لا يقطف ثمار جهده في ليلة ، فكم من فكرة لم نفهمها في أول قراءة، ثم كشفت لنا الأيام معناها، وكم من درس ظنناه عابرًا، ثم أعادتنا إليه الحياة لنكتشف أننا لم نفهمه إلا حين عشنا تجربته ، ومن أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم أن يصبر على جهله قبل أن يفاخر بمعرفته، وأن يتواضع أمام السؤال؛ فكلما اتسعت معارف الإنسان، اتسع إدراكه لما يجهل.
أما في التربية، فإن الاصطبار مسؤولية مضاعفة؛ لأننا لا نتعامل مع نتائج فورية، بل مع نفوس تتشكل ببطء، وقيم تحتاج إلى التكرار حتى تستقر، وسلوكيات لا تستقيم بالنصح وحده، وإنما بالقدوة والاحتواء والتوجيه ، وقد نغرس كلمة في طفل اليوم فلا نرى أثرها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها أصبحت جزءًا من ضميره، فنفهم أن بعض أعظم أعمالنا هي تلك التي لم نشهد اكتمالها.
ولعلنا نحتاج إلى هذا المعنى في علاقتنا بأنفسنا أيضًا؛ حين نحاول التغيير فنتعثر، ثم نعود إلى المحاولة، ونقارن بداياتنا بنهايات الآخرين، فننسى أن لكل إنسان رحلته وظروفه. عندها نحتاج إلى الاصطبار: أن نرفق بأنفسنا دون أن نتخذ الرفق ذريعة للتوقف، وأن نحاسبها دون أن نحطمها، وأن نواصل بناءها دون أن نطالبها بالكمال ، فالنضج ليس أن تخلو حياتنا من العثرات، بل أن نتعلم كيف ننهض منها دون أن نفقد إيماننا بإمكان التغيير.
وقد عبّر الشاعر عن قيمة العزم الذي يرافق الطريق الطويل بقوله:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعزم ليس حماسة البداية وحدها، بل القدرة على الاستمرار حين تتراجع الحماسة، والعمل حين تتأخر النتائج، وحفظ المبادئ حين يصبح التخلي عنها أسهل ، وربما كان الفرق بين من يحقق غايته ومن يتوقف في منتصف الطريق ليس في مقدار قدراته، بل في قدرته على احتمال المسافة بين واقعه وما يطمح إليه؛ تلك المسافة التي لا تُقطع بخطوة واحدة، وإنما بخطوات صغيرة تتكرر حتى تصنع الوصول.
ومن هنا، لا ينبغي أن نفهم الاصطبار على أنه انتظار سلبي أو احتمال لكل شيء، بل هو الجمع بين الثبات والعمل، والرضا والسعي، والإيمان بتدبير الله والأخذ بالأسباب ، نصبر على مشقة التعلم لنفهم، ونصطبر على مشقة العمل لنتقن، ونرفق بالناس لأن النفوس تُستمال بالحكمة، ونغادر ما يؤذينا حين تصبح المغادرة أرجح من البقاء، دون أن نحمل في قلوبنا رغبة في الانتقام أو حسرة تستهلك أعمارنا.
فليس كل ما نريده خيرًا لنا في الوقت الذي نريده، وليس كل ما نفقده خسارة؛ وربما كانت بعض الأقدار التي قاومناها في بدايتها هي ذاتها التي أعادت ترتيب حياتنا على نحو لم نكن نراه.
وحين نتأمل ما مضى من أعمارنا، ندرك أن كثيرًا مما غيّرنا لم يحدث في اللحظات السهلة، بل حين طال الانتظار، وخابت التوقعات، واضطررنا إلى البدء من جديد ، عندها نفهم أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نطلبه، لكنها تمنحنا فرصًا لنصبح أكثر حكمة ورحمة ونضجًا؛ وأن الصبر لم يكن مجرد احتمال للألم، بل بداية للفهم، وأن الاصطبار لم يكن مجرد استمرار في الطريق، بل إعادة تشكيل للإنسان الذي يسير فيه.
فما بين الصبر والاصطبار لا يتغير الطريق وحده، بل يتغير الإنسان؛ حتى يصل يومًا إلى مرحلة لا يعود فيها يسأل الحياة لماذا تأخرت، بل ينظر إلى ما أصبح عليه، فيدرك أن بعض الطرق لم تكن لتوصله إلى غايته فحسب، بل كانت لتصنع منه إنسانًا أقدر على حملها حين تأتي.
