مخاطر الانجراف الفكري وعواقبه
بقلم: د. علي محمد الحازمي
الانجراف الفكري هو تحول تدريجي يخرج فيه الإنسان عن مسار الوسطية والاعتدال إلى مسارات متطرفة ومضطربة. يبدأ بفكرة طارئة أو شبهة يسمعها الشخص من مصدر غير موثوق، ثم تترسخ مع الوقت لتتحول إلى قناعة توجه السلوك والقرار. واغلب مصادره يأتي عبر وسائل التواصل الحديثة السوشيال ميديا، حيث تنتشر الأفكار دون فلترة أو تحقق.
على المستوى الفردي، يعيش الشخص حالة صراع داخلي. يشعر بعدم الاطمئنان لما كان عليه في السابق، وعدم الاستقرار على ما صار إليه. هذا الصراع يولد قلقا وعزلة وشعورا بالوحدة، ويجعله عرضة للتوظيف من جهات تستثمر اضطرابه لتحقيق أهدافها. كما يضعف تركيزه على الدراسة والعمل، ويستهلك وقته في جدال نظري مستمر.
أما على مستوى الأسرة، فالأثر مؤلم وواضح. يتحول الحوار داخل البيت إلى مواجهة يومية، وتتحول النصيحة إلى اتهام متبادل. تفقد الأسرة قدرتها على احتواء ابنها، وتعيش حالة خوف دائم على مصيره، وقد يتسع الشرخ بين أفرادها بسبب هذا التغير.
على مستوى المجتمع، يتضاعف الخطر. الفكرة المنحرفة لا تبقى حبيسة عقل واحد، هي تنتقل بسرعة عبر حسابات مجهولة ومقاطع موجهة ومجموعات مغلقة في السوشيال ميديا. ومع انتشارها تضعف قيم التسامح والتعاون، ويتراجع الانتماء للدين والوطن، ويحل الشك محل الثقة. وفي مراحل متقدمة، قد يتحول الانحراف من قناعة نظرية إلى سلوك عملي يهدد الأمن ويعطل مسيرة التنمية.
ومن صور هذا الخطر ما نشاهده اليوم في البثوث المباشرة على التيك توك وغيره. حيث تظهر سلوكات منحرفة تسعى لجذب المشاهدات بأي وسيلة، مثل التفاخر بالمعاصي، والاستهزاء بالقيم الدينية والاجتماعية، ونشر ألفاظ سوقية، والتحريض على الكراهية، واستعراض مظاهر مادية مبالغ فيها توهم المتابع بأن السعادة في المال السريع. بعض هذه البثوث تعرض تحديات خطرة، أو علاقات غير سوية، أو تصرفات تخدش الحياء، وتقدمها كأمر طبيعي ومقبول. هذه المشاهد تجر الكثير من الشباب والمراهقين إلى طريق قد لا يحمد عقباه، حيث يبدأ التقليد بدافع الفضول، ثم يتحول إلى اعتياد، ثم إلى انجراف كامل يصعب الرجوع منه.
ومن عواقبه الندم، وهو من أشد العواقب أثرا. يأتي الندم متأخرا بعد أن يكتشف الشخص أنه أضاع سنوات من عمره خلف وهم فكري، وخسر علاقاته وأسرته وفرصه في الحياة. يندم على ثقته في مصادر مضللة، وعلى اندفاعه خلف شعارات فارغة، وعلى لحظات كان فيها قادرا على البناء فاختار الهدم. هذا الندم يترك أثرا نفسيا عميقا، وقد يصعب تجاوزه دون دعم أسري ومجتمعي صادق.
ودور الأمن الفكري هنا يظهر كخط دفاع أساسي. الأمن الفكري يعني حماية عقول الشباب من الأفكار الدخيلة، وترسيخ الوسطية والاعتدال، وتعزيز الثقة في الثوابت الدينية والوطنية. يتحقق هذا الدور من خلال التعليم الذي يغرس مهارات التفكير النقدي، والإعلام الذي يقدم المعلومة الموثوقة، والأسرة التي تربي على الحوار، والمؤسسات الدينية التي توضح الصورة الصحيحة للدين بعيدا عن الغلو والتطرف. كما أن الأمن الفكري يسهم في تحصين المجتمع رقميا، عبر توعية الشباب بآليات التضليل في السوشيال ميديا وتدريبهم على التحقق من المصدر.
الانجراف الفكري مسار له مقدمات ونتائج، وليس حدثا ينتهي بسرعة. ولأن اغلب مصادره اليوم تأتي من السوشيال ميديا، وما يعرض في بثوث التيك توك من سلوكات منحرفة، صارت الوقاية تتطلب تفعيل الأمن الفكري بكل أدواته، من تحصين علمي صحيح، وحوار هادئ داخل الأسرة، وتوفير قدوة صالحة، وملء وقت الفراغ بما ينفع، وتدريب الشباب على مهارات التحقق، حتى لا ينجر الشباب إلى طريق قد لا يحمد عقباه، وحتى لا يصل إلى مرحلة الندم حيث لا ينفع الندم متأخرا.
