تراجع أسعار النفط في ظل بوادر انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية… ضغوط بيعية تضغط على الخام
التحرير – اقتصاد ومال
تتراجع أسعار النفط عالمياً تحت وطأة موجة بيعية واضحة، تزامناً مع بوادر تهدئة في التوتر الأمريكي الإيراني الذي أشعل الأسواق خلال الأسابيع الماضية. فبعد أن قفزت أسعار الخام إلى مستويات قريبة من 97 دولاراً للبرميل بدافع مخاوف الإمداد، عاد المؤشر ليستقر في نهاية تعاملات الأسبوع الماضي عند 86.79 دولار، فاقداً 2.35 دولار بنسبة 2.64% في جلسة واحدة. هذا التراجع لا يعكس خللاً في المعروض بقدر ما يكشف هشاشة “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي بنت عليها الأسواق صعودها السابق، وسرعة ذوبانها عند أول إشارة إلى انفراج سياسي.
ما يحدث في سوق النفط الآن هو قراءة مباشرة لسلوك المتعاملين. فحين تصاعدت التهديدات الأمريكية الإيرانية، دخل المشترون على خط الأمان بحثاً عن النفط كملاذ من اضطراب الإمدادات في الخليج. ارتفعت الأسعار سريعاً، وتشكلت قمم سعرية جديدة، لأن السوق لا تسعّر الواقع بقدر ما تسعّر الخوف من الواقع. لكن مع ظهور بوادر تهدئة ومسارات دبلوماسية تعيد فتح قنوات الحوار، بدأ هذا الخوف في التبخر، ومعه بدأت علاوة المخاطر بالانحسار.
الضغوط البيعية التي نراها عند إغلاق تعاملات الأسبوع الماضي مفاجئة لمن يراقب الرسم البياني. فبعد كل صعود مدفوع بالتوتر الجيوسياسي يأتي تصحيح حاد عندما يتراجع ذلك التوتر. المتعاملون الذين دخلوا على أسعار مرتفعة يخرجون بسرعة لتأمين الأرباح، بينما يتردد المشترون الجدد في اللحاق بالسعر قبل أن تتضح الصورة السياسية بشكل كامل. النتيجة هي موجة بيع تدفع السعر للهبوط دون مستويات دعم نفسية مهمة، مثل حاجز 87 دولاراً، وتفتح الباب أمام مزيد من الانخفاض نحو 85-84 دولار إذا استمرت إشارات التهدئة.
لكن الصورة ليست سياسية فقط. فالسوق تزن في المقابل عوامل الطلب والعرض. فكرة انتهاء الحرب تعني عودة تدريجية للإمدادات الإيرانية إلى السوق إذا تم التوصل إلى تفاهم، وهذا يحتاج وقت كافي، وكذلك وهذا بحد ذاته ضغط إضافي على الأسعار. في الوقت نفسه، لا تزال أسواق الطاقة العالمية تعاني من ضبابية الطلب بسبب تباطؤ النمو في الصين وأوروبا، وقوة الدولار التي تجعل النفط أغلى للمشترين بعملات أخرى. كل هذه العوامل تتضافر مع تراجع المخاوف الجيوسياسية لتشكل بيئة ضاغطة على الأسعار.
المفارقة أن النفط اليوم يعاقَب على التفاؤل. فكلما زادت احتمالات استقرار المنطقة، تراجعت جاذبية الخام كأداة تحوط. وهذا يذكّرنا بأن أسعار النفط لا تتحرك في فراغ، حيث تعتبر مرآة عاكسة للمزاج السياسي العالمي قبل أن تكون انعكاساً لمعادلات الإنتاج والاستهلاك. وما دام خطاب التصعيد يتراجع، فمن الطبيعي أن تتراجع معه الأسعار، حتى لو ظلت أساسيات السوق كما هي.
تراجع أسعار النفط اليوم هو درس عملي في قوة سلوك المتعاملين وتأثيره على الأسواق. فبوادر انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية كافية وحدها لقلب المعادلة، وتحويل الخام من سلعة يتهافت عليها الخائفون إلى سلعة يعرضها الباحثون عن الأمان. لكن هذا لا يعني نهاية التقلب، فالمنطقة لا تزال هشة، وأي انتكاسة في مسار التهدئة كفيلة بإعادة الأسعار للقفز من جديد فوق 90 دولار.
المستثمر الحصيف هو من يقرأ ما بين السطور: السعر الحالي يعكس توقعات اليوم، لا حقائق الغد. وبينما تضغط الأخبار السياسية على الأسعار هبوطاً، تبقى أساسيات العرض والطلب، ومستوى مخزونات أمريكا، وقرارات أوبك+ هي الحكم الأخير في مسار النفط. فإذا كان الخوف قد دفع الأسعار للصعود، فإن الواقع وحده هو القادر على تثبيتها أو إعادتها للارتفاع.

