إعادة التموضع الإعلامي.. لا يعترف بالجغرافية
بقلم: أ. صالحة علي الحربي
هناك لحظاتٌ في التاريخ لا تتغير فيها الأدوات فحسب، إنما تتغير معها قواعد اللعبة بأكملها… والإعلام اليوم يعيش واحدةً من تلك اللحظات… إذ لم يعد انتقال الرسالة مرهونًا بالجغرافيا، ولم يعد النفوذ الإعلامي يقاس بموقع المؤسسة على الخريطة، بقدرتها على الوصول إلى العقل قبل الشاشة، وإلى الوجدان قبل العنوان. لقد انتهى زمن كانت فيه الحدود السياسية ترسم حدود التأثير، وأصبح العالم أمام واقع جديد تُصنع فيه القوة الإعلامية من داخل المنصات الرقمية، حيث تعبر الأفكار القارات في ثوانٍ، وتتجاوز السرديات كل الحواجز دون أن تحمل جواز سفر.
ولهذا، فإن الحديث عن إعادة التموضع الإعلامي لم يعد ترفًا فكريًا، ولا مصطلحًا أكاديميًا يتردد في المؤتمرات، حيث تُعد ضرورةً استراتيجية لكل دولة ومؤسسة تسعى إلى صناعة حضورٍ عالمي في زمنٍ أصبحت فيه الرواية أقوى من المسافة، والصورة أسرع من الحدث، والخوارزمية أكثر تأثيرًا من البث التقليدي.
ما يلفت الانتباه أن التحول الحقيقي لم يعد في الوسيلة، فلسفة الإعلام نفسها. فالمؤسسات التي ما زالت تراهن على كثرة المنصات دون جودة المحتوى، أو على سرعة النشر دون بناء الثقة، تخوض معركة الأمس بأدوات اليوم. أما المستقبل، فيكتبه أولئك الذين يدركون أن التأثير يبدأ من فهم الإنسان، لا من امتلاك التقنية وحدها.
ولعل هذا ما أكده معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري في أكثر من مناسبة، حين تحدث عن الإعلام السعودي كيف يصنع الأثر، ويعز الموثوقية، ويخاطب العالم بلغته، ويستثمر في الذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى، والكفاءات الوطنية، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن القوة الناعمة لا تُستورد، تُبنى بالمعرفة والإبداع والاستمرارية.
واليوم، لم تعد المنافسة بين القنوات والصحف والمنصات، حيث تُعد بين السرديات. فالرواية التي تمتلك المصداقية، والعمق، والقدرة على الإقناع، هي التي تكسب الرأي العام العالمي، بينما تتراجع الأصوات التي تكتفي بنقل الخبر دون أن تصنع معناه.
ولعل أخطر ما نعيشه اليوم أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مساندة، أصبح شريكًا في تشكيل المشهد الإعلامي، وتحليل الجمهور، وصناعة المحتوى، وإعادة توجيه الاهتمام. وهنا تبرز مسؤولية الإعلامي أكثر من أي وقت مضى… لأن التقنية قد تنتج النص، لكنها لا تصنع الرؤية، ولا تمنح الرسالة قيمتها الإنسانية، ولا تميز بين الحقيقة والضجيج.
إن إعادة التموضع الإعلامي تعني أن تنتقل المؤسسات من ردّ الفعل إلى صناعة المبادرة، ومن ملاحقة الأحداث إلى قيادة النقاش، ومن مخاطبة الجمهور المحلي إلى بناء حضور عالمي يحترم الخصوصية الثقافية ويجيد مخاطبة التنوع الإنساني. ولذلك، فإن الدول التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر المؤسسات الإعلامية، تلك التي تمتلك أوضح الروايات، وأعلى درجات الموثوقية، وأجرأ العقول في توظيف التقنية لخدمة الإنسان.
اليوم، لم تعد الجغرافيا تصنع النفوذ الإعلامي كما كانت من قبل. فالحدود التي رسمتها الخرائط، أزالتها الشاشات.. والمسافات التي كانت تقاس بالكيلومترات، أصبحت تقاس بسرعة الوصول إلى الوعي. ومن هنا، فإن إعادة التموضع الإعلامي هو انتقال من منطق الحضور إلى منطق التأثير، ومن امتلاك الوسيلة إلى امتلاك الرواية. وفي عالمٍ يتغير كل ثانية، لن يبقى في الذاكرة من كان الأقرب إلى الحدث، من كان الأقدر على تفسيره، وصياغة معناه، وصناعة أثره.
