تفتت العولمة.. كيف يغيّر التخطيط الاستراتيجي الاستباقي ملامح العالم؟
رأي وكالة ميديا بوست للأنباء
لم تعد العولمة كما عرفناها خلال العقود الثلاثة الماضية حقيقة لا تقبل النقاش. فالموجات المتتالية من الأزمات، بدءاً من الجائحة وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية في أوكرانيا وغزة والخليج، كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وأعادت فكرة “الأمن القومي الاقتصادي” إلى صدارة النقاش. لم يعد العالم قرية صغيرة مترابطة بالكامل، حيث أنه بدأ يتجه نحو تكتلات إقليمية مغلقة، تضع كل دولة مصالحها أولاً. هذا “التفتت” لا يعني نهاية الترابط، حيث أنه يشير إلى تحول جذري في قواعده. وفي هذا المشهد الجديد، لم يعد التخطيط التقليدي كافياً، وأصبح التخطيط الاستراتيجي الاستباقي هو البوصلة الوحيدة التي قد تنقذ الدول من مفاجآت الغد.
إن أبرز ملامح تفتت العولمة اليوم تتمثل في إعادة توطين الصناعات وسعي الدول لتأمين احتياجاتها الحيوية محلياً. فبحسب تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025، تراجعت نسبة التجارة العالمية إلى الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ 30 عاماً، بينما ارتفع الاستثمار في سلاسل التوريد الإقليمية بنسبة تجاوزت 18%. دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بدأت تضخ مئات المليارات لإعادة صناعة الرقائق وأشباه الموصلات إلى أراضيها، بينما تتجه دول الخليج نحو تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط عبر رؤى وطنية طويلة المدى.
هنا يبرز دور التخطيط الاستراتيجي الاستباقي. فهو لا ينتظر وقوع الأزمة ثم يعالجها، حيث أنه يقرأ المؤشرات المبكرة ويبني سيناريوهات متعددة. خذ مثال سنغافورة، الدولة التي لا تملك موارد طبيعية، حيث أنها بنت احتياطيات غذائية وطاقة تكفيها لأشهر، ووقعت اتفاقيات تبادل تجاري مع أكثر من 27 دولة قبل أن تضرب أزمة الشحن العالمية. ومثال آخر من منطقتنا: رؤية السعودية 2030 التي بدأت قبل سنوات في الاستثمار في الطاقة المتجددة والسياحة والتقنية، لتكون أقل تأثراً بأي صدمات في سوق النفط مستقبلاً.
الخطر الفعلي في عالم ما بعد العولمة يكمن في الانفصال، حيث أنه يتمثل في غياب الرؤية. فالدول التي ستتأخر في رسم خرائط المخاطر وبناء تحالفات جديدة ومرنة، ستجد نفسها خارج اللعبة. الاستباق هنا يعني أن تتحول من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى هندسة الفرص.
ونؤكد في كلمتنا هذه، بأن تفتت العولمة ليس نهاية العالم حيث أنه يشكل بداية عالم جديد متعدد المراكز. عالم يحكمه الأذكى تخطيطاً إلى جانب الأقوى اقتصادياً. التخطيط الاستراتيجي الاستباقي لم يعد رفاهية حكومية، حيث يُعد ضرورة بقاء. فمن يقرأ المستقبل اليوم ويستثمر في مناعته الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، هو من سيكتب ملامح الغد. والسؤال الذي يجب أن تطرحه كل حكومة ومنظمة الآن ليس “ماذا سنفعل إذا حدثت الأزمة؟” السؤال “ماذا نفعل الآن حتى لا تفاجئنا الأزمة؟”
