اليسر طبع.. فكيف تُيَسّر ليُيَسّر الله لك؟
رأي ميديا بوست الأسبوعي – بقلم: د. علي محمد الحازمي
في زحمة الحياة وتفاصيلها اليومية، نبحث جميعاً عن “تيسير” الأمور. نريد أبواباً تُفتح، وحاجاتٍ تُقضى، وقلوباً ترتاح. وربما لا نلتفت إلى أن المفتاح الذي نبحث عنه في الخارج، هو طبعٌ نحمله في الداخل. فالدنيا لا تُعاملنا إلا كما نُعامل بها الناس. معادلة بسيطة، ربانية في أصلها، واقعية في أثرها: من يسّر على الناس، يسّر الله عليه. ومن عسّر، وجد العسر رفيق دربه حتى في أبسط شؤونه.
جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: “مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، ومَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا والآخِرَةِ” رواه مسلم.
هذا ليس وعداً عاطفياً، بل قانون إلهي ماضٍ في عباده. فالله سبحانه وتعالى يجازي العبد من جنس عمله.
ولعل هذا ما لاحظه كثيرون في واقعهم وتجاربهم. فمن غلب على طبعه اللين والرفق، ومن كان سهلاً في بيعه وشرائه، هيناً في تعامله مع زملائه وأهله ومحيطه، يجد أن أموره تمضي ببركة. أبوابٌ تُفتح له دون أن يطرقها، وحلولٌ تأتيه وهو لم يسعَ لها. كأن الله سخر له عباده، تماماً كما سخر هو نفسه لقضاء حوائجهم.
وفي المقابل، من غلب على طبعه التشديد والتعسير، ومن جعل العنت منهجاً في تعاملاته، يجد نفسه في دوامة. أبسط حاجة تصبح جبلاً، وأقرب طريق يطول، وأيسر معاملة تحتاج إلى جهدٍ ومشقة. ليس لأن الدنيا ضده، ولكن لأن سنّة الجزاء تعمل. وكما قال النبي ﷺ: “اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمْرِ أُمَّتي شيئًا فَشَقَّ عليهم فَاشْقُقْ عليه، وَمَن وَلِيَ مِن أَمْرِ أُمَّتي شيئًا فَرَفَقَ بهم فَارْفُقْ بهِ” رواه مسلم.
اليسر إذن ليس ضعفاً، ولا هو سذاجة. اليسر حكمة وعبادة. هو أن تختار الكلمة الطيبة بدل الفظة، وأن تقدم العون بدل المنع، وأن تلتمس العذر بدل إساءة الظن. هو أن تكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن هيّن ليّن، كالجمل الأنِف، إن قِيدَ انقاد، وإذا أُنِيخَ على صخرة استناخ”.
إننا حين نيسر على غيرنا، فإننا في الحقيقة نيسر على أنفسنا أولاً. نوسع صدورنا، ونكسب القلوب، ونستجلب رحمة الله التي لا يملكها أحد غيره. أما التعسير فهو خسارة مضاعفة: خسارة لراحة البال، وخسارة لمحبة الناس، وخسارة لبركة التوفيق.
أجلس واسأل نفسك: أي الطبعين أختار؟ هل أريد أن أكون سبباً في تيسير حياة الناس، فتيسر حياتي؟ أم أكون ممن يُضيّق على نفسه وغيره فيضيق الله عليه؟
الأمر بيدك. فالقلوب تُفتح بالرفق، والأرزاق تُستجلب بالسماحة، والحياة تُصبح أخف حين نُخففها على بعضنا.
فكن يسيراً، ليُيسر الله أمرك، فوالله ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
