الغربي: “المملكة مؤهلة لقيادة التحول في الإعلام الرياضي ودمج الاحتراف المهني مع صناعة المحتوى الرقمي”
دلال عبدالعزيز – جدة
نعود إليكم مرة أخرى في الجزء الثالث والأخير من الحوار مع الدكتور المستشار سعود الغربي، رئيس مجلس إدارة جمعية إعلاميون حول الإعلام الرياضي السعودي في 2026 من النَّقْلُ إلى الصناعة.
حيث يرى الغربي بأن العلاقة بين الإعلام المهني وصناع المحتوى الرياضي يتجه نحو مزيد من التكامل لا التنافس؛ فصناعة المحتوى أصبحت جزءًا أصيلًا من المنظومة الإعلامية، وأسهمت في تنويع أساليب تقديم المحتوى وتسريع وصوله إلى الجمهور، بينما يظل الإعلام المهني الضامن للمصداقية، والتحقق، والعمق، والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.
ومع التطورات التقنية المتسارعة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، ستشهد هذه العلاقة تحولًا كبيرًا في إنتاج المحتوى وتحليله وتخصيصه للجمهور، بما يرفع من جودة التجربة الإعلامية ويزيد من سرعة التفاعل معها. وستكون المؤسسات الإعلامية الأكثر قدرة على دمج الخبرة المهنية مع الابتكار الرقمي هي الأكثر تأثيرًا وحضورًا.
والمملكة تمتلك اليوم مقومات قوية لقيادة هذا التحول، بفضل استثماراتها الكبيرة في التقنية والتحول الرقمي، ومؤشراتها العالمية المتقدمة في البنية الرقمية، إلى جانب النمو المتسارع في القطاع الرياضي والإعلامي، مما يؤهلها لبناء نموذج رائد يجمع بين الإعلام المهني وصناعة المحتوى الرقمي وفق أعلى المعايير العالمية.
وأوضح الغربي بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في هيمنة الشبكات العالمية بقدر ما يكمن في قدرتنا على تطوير إعلام رياضي عربي يمتلك أدوات المنافسة. فهذه الشبكات نجحت لأنها استثمرت في المحتوى، والتقنية، والكوادر، وحقوق البث، والتحليل الاحترافي، وهي عناصر لا تزال تحتاج إلى مزيد من الاستثمار عربياً.
ومن أبرز التحديات أيضاً التحول الرقمي المتسارع، وارتفاع سقف توقعات الجمهور، والمنافسة الشديدة من المنصات الرقمية وصناع المحتوى، إضافة إلى الحاجة لتأهيل كوادر إعلامية تمتلك مهارات متعددة تجمع بين المهنية الإعلامية، والتحليل الرياضي، وإتقان التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذه التحديات، فإن الفرص كبيرة، خصوصاً مع الطفرة الرياضية التي تشهدها المملكة والمنطقة، واستضافة الأحداث العالمية، والاستثمارات المتنامية في القطاع الرياضي والإعلامي. وإذا نجح الإعلام الرياضي العربي في الاستثمار في الإنسان، والمحتوى، والتقنية، فسيكون قادراً ليس فقط على مواكبة الشبكات العالمية، بل على تقديم نموذج إعلامي يعكس هويتنا وثقافتنا ويحقق حضوراً وتأثيراً دولياً.
وعلى صعيد آخر ذكر الغربي بأن الأحداث الرياضية الكبرى التي تستضيفها المملكة تمثل فرصة تاريخية لتعريف العالم بالثقافة السعودية، بوصفها ثقافةً عربيةً وإسلاميةً عريقة تقوم على قيم الكرم والتسامح والاعتدال واحترام الإنسان. وعندما يأتي ملايين الزوار من مختلف دول العالم، فإنهم لا يشاهدون المنافسات الرياضية فحسب، بل يعيشون تجربة متكاملة يلامسون فيها المجتمع السعودي عن قرب، ثم ينقلون ما شاهدوه من قيم وسلوكيات وصور إيجابية إلى بلدانهم، وهو ما يعزز القوة الناعمة للمملكة ويترك أثرًا مستدامًا في الرأي العام العالمي.
وفي المقابل، لا بد من تهيئة المجتمع السعودي للاستفادة من هذه الفرصة، عبر برامج ومبادرات نوعية تقودها الجهات الرياضية والثقافية والسياحية والتعليمية، مع إشراك القطاع غير الربحي كشريك فاعل في تنفيذ المبادرات المجتمعية والتطوعية والثقافية المصاحبة لهذه الأحداث.
أما الإعلام، فتقع عليه مسؤولية محورية في توظيف هذه المناسبات من خلال صناعة محتوى احترافي متعدد اللغات، وإبراز الهوية الوطنية والقيم الثقافية السعودية عبر مختلف المنصات الإعلامية والرقمية. فمثل هذه الأحداث لا تتكرر كثيرًا، والاستعداد الإعلامي لها واستثمارها بما يعكس مكانة المملكة ويعز صورتها العالمية يعد واجبًا وطنيًا ومهنيًا.
كما أكّد الغربي بأن الإعلامي الرياضي المحترف في عام 2026 لابد له بأن يرتكز على أربعة معايير رئيسية.
أولها: الاحتراف الإعلامي، من خلال امتلاك المعرفة المهنية والعلمية التي تمكّنه من فهم رسالته الإعلامية وأداء دوره بكفاءة، وتقديم محتوى موثوق واحترافي يواكب المعايير الحديثة.
ثانيها: التخصص الرياضي؛ فلا يكفي أن يكون إعلاميًا جيدًا، بل يجب أن يمتلك شغفًا بالرياضة، وإلمامًا عميقًا بأنظمتها وتاريخها ومستجداتها، وأن يتابع تطوراتها المحلية والعالمية باستمرار.
ثالثها: إتقان اللغات، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، باعتبارها لغة التواصل العالمية في القطاع الرياضي، بما يتيح له الوصول إلى المصادر الأصلية، والتواصل مع المؤسسات والنجوم والإعلاميين حول العالم.
أما المعيار الرابع، فهو الكفاءة التقنية والرقمية، من خلال الإلمام بأدوات الإعلام الحديث، وإدارة المنصات الرقمية، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وصناعة المحتوى متعدد الوسائط، بما يعزز قدرته على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، ويضمن له المنافسة والتميز في بيئة إعلامية تتطور بوتيرة متسارعة.
بهذه المعايير الأربعة، يجمع الإعلامي الرياضي بين المهنية والتخصص والبعد الدولي والجاهزية التقنية، وهي العناصر التي ستصنع الفارق في إعلام المستقبل.
وأشار الغربي بأن استقطاب الخبرات العالمية وتوطين صناعة الإنتاج التلفزيوني الرياضي يمثلان فرصة استراتيجية للمملكة، لكنهما يواجهان ثلاثة تحديات رئيسية.
أولها شدة المنافسة العالمية، في ظل دخول دول وشركات كبرى كأطراف رئيسية في هذا القطاع، مما يجعل استقطاب الكفاءات والخبرات عملية ليست سهلة، وتتطلب خططًا واضحة، وحوافز تنافسية، واستثمارًا طويل المدى.
أما التحدي الثاني، فيتمثل في وجود استراتيجية وطنية متكاملة، تقودها كوادر مؤهلة قادرة على إدارة هذا القطاع، ونقل المعرفة، وتوطين الخبرات، وبناء صناعة إنتاج تلفزيوني رياضي احترافية تحقق عائدًا اقتصاديًا، وتعز الحضور الإعلامي السعودي عالميًا.
ويكمن التحدي الثالث في حجم الاستثمارات المطلوبة، فاستقطاب الخبرات العالمية، ونقل المعرفة، وتطوير البنية التقنية، وتأهيل الكفاءات الوطنية، كلها تحتاج إلى إمكانات مالية كبيرة ورؤية استثمارية بعيدة المدى.
وفي تقديري، إذا نجحت المملكة في بناء هذا المثلث؛ المنافسة الفاعلة، والاستراتيجية الواضحة، والاستثمار الكافي، فإنها ستكون قادرة على توطين صناعة الإنتاج التلفزيوني الرياضي، والتحول إلى مركز عالمي مؤثر في صناعة الإعلام الرياضي، وليس مجرد ناقل للأحداث.
وختم الغربي رئيس مجلس إدارة جمعية إعلاميون بأن الرسالة الأهم التي يجب أن يحملها الإعلام الرياضي السعودي للعالم خلال المرحلة القادمة هي أن المملكة لم تعد مجرد مستضيف للأحداث الرياضية الكبرى، بل أصبحت شريكًا مؤثرًا في صناعة مستقبل الرياضة العالمية إعلاميًا وتنظيميًا واستثماريًا. وهذه الرسالة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بمحتوى إعلامي احترافي، وقص إنسانية ملهمة، وإنتاج تلفزيوني ورقمي يواكب أعلى المعايير العالمية.
كما ينبغي أن يعكس الإعلام الرياضي الهوية السعودية بكل ما تحمله من قيم الأصالة والانفتاح والطموح، وأن يقدم صورة حقيقية عن المجتمع السعودي، وعن التحول الذي تعيشه المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
وفي الوقت ذاته، يجب أن ينتقل الإعلام الرياضي من الاكتفاء بنقل الحدث إلى صناعته، عبر إنتاج محتوى متعدد اللغات يخاطب الجماهير العالمية، ويستثمر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ويعز الحضور السعودي في المشهد الإعلامي الدولي.
باختصار، رسالة الإعلام الرياضي السعودي للعالم يجب أن تكون واضحة. يلخص الحوار بأن المملكة العربية السعودية اليوم ليست محطة لاستضافة البطولات، حيث أنها مركز عالمي لصناعة الرياضة والإعلام الرياضي، وقادرة على تقديم تجربة احترافية متكاملة تترك أثرًا مستدامًا في الجماهير والرأي العام العالمي.
إدارة الحوار: دلال عبدالعزيز. جِدة. وكالة ميديا بوست للأنباء.
