حين نتمنى و ننام
مقال كُتب بقلم الدكتورة جواهر الروقي.
أَأَبيتُ سَهرانَ الدُجى وَتَبِيتُهُ
نَوماً وَتَبغي بَعدَ ذاكَ لِحاقي
بيتٌ استوقفني طويلًا، ليس لجمال لفظه فحسب، بل لأنه يضع الإنسان أمام حقيقة قد لا يحب مواجهتها: لا يمكن أن تتساوى الأمنيات مع الهمم إذا اختلفت الأفعال ، كم مرة تمنينا أن نصل، وحدثنا أنفسنا عن حياة أفضل، ومكانة أعلى، ونجاح طال انتظاره، ثم أطفأنا الضوء ومضينا إلى النوم دون أن نفعل شيئًا يقربنا مما نريد؟ نريد العلا، لكننا نؤجل مشقتها، ونريد النتائج، لكننا نتردد أمام أسبابها، ثم نستغرب حين نجد أن المسافة بيننا وبين أمنياتنا لا تزال كما هي.
والأمنية في ذاتها ليست مذمومة؛ فالإنسان بطبيعته يطمح ويتطلع، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأمنية من دافع إلى بديل عن العمل ، حين نكتفي بأن نتخيل أنفسنا في المكان الذي نريده، بدل أن نسأل: ماذا قدمنا اليوم حتى نقترب منه؟
وهنا يأتي المنهج النبوي ليضع الطموح في موضعه الصحيح؛ فلا يطفئ رغبة الإنسان في العلا، ولا يجعله أسيرًا للانتظار، بل يربط التمني بالسعي، والسعي بالاستعانة بالله ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز».
وكأن الحديث يرسم للإنسان طريقًا واضحًا: احرص؛ فلا تكن متفرجًا على حياتك ، واستعن بالله؛ فلا تظن أن جهدك وحده يكفيك ، ولا تعجز؛ فلا تجعل الخوف أو التسويف أو صعوبة الطريق حجة للتوقف ، وهنا يتضح الفرق بين الطموح الذي يُقال، والطموح الذي يُعاش.
فالذي يريد الوصول لا ينتظر أن يصبح الطريق سهلًا، وإنما يتعلم أن يمشي فيه رغم وعورته ، لا ينتظر الظروف المثالية، ولا اللحظة المناسبة، ولا التصفيق من الآخرين. يبدأ بما يستطيع، ثم يستمر.
ولذلك كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»؛ لأن الوصول ليس دائمًا نتيجة قفزة عظيمة، بل كثيرًا ما يكون نتيجة خطوات صغيرة تكررت حتى صنعت فرقًا كبيرًا ، قد تكون الخطوة التي تستطيع القيام بها اليوم بسيطة جدًا؛ صفحة تقرؤها، مهارة تتعلمها، قرار تؤجله، اعتذار تقدمه، عادة تتخلى عنها، أو عمل تبدأه دون أن يراه أحد ، لكنها تظل أفضل من أمنية عظيمة بقيت حبيسة التفكير ، فالنجاح لا يبدأ يوم يصل الإنسان إلى ما يريد، بل يبدأ يوم يتوقف عن انتظار الوصول ويبدأ بالسير.
ولعل أكثر ما يؤلم في بعض الأمنيات أنها لا تموت لأنها مستحيلة، وإنما تموت لأن صاحبها ظل يؤجلها حتى أصبح التأجيل عادة، والانتظار أسلوب حياة ، نحن أحيانًا لا ينقصنا الحلم، ولا القدرة، ولا حتى الفرص؛ ينقصنا أن نأخذ أمنياتنا على محمل الجد.
أن نؤمن أن الدعاء لا يعفينا من السعي، وأن التوكل لا يعني أن نترك الأسباب، وأن حسن الظن بالله لا يعني أن نستسلم للكسل، فالنبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «اعقلها وتوكل»، لم يجعل التوكل بديلًا عن الأخذ بالأسباب، بل جعله رفيقًا لها.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: ماذا أتمنى؟، فقد نعرف الإجابة منذ سنوات.
الأسئلة الأصعب والأصدق هي:
ماذا فعلت من أجل ما أتمنى؟
كم خطوة قطعت؟
كم مرة حاولت بعد أن فشلت؟
كم مرة قاومت رغبة التأجيل؟
كم ليلة سهرت لأجل شيء تؤمن به، بدل أن تسهر في التفكير فيه فقط؟
فليس كل من تمنى العلا بلغها، وليس كل من تأخر عن الوصول كان عاجزًا؛ أحيانًا يكون الفارق كله بينهما أن أحدهما بدأ، والآخر ظل يقول: سأبدأ.
ولست بحاجة لأن تغير حياتك كلها في ليلة واحدة ، يكفي أن تبدأ بما تستطيع، وأن تجعل بينك وبين أمنيتك خطوة كل يوم.
فرب أمنية طال انتظارها، لا تحتاج إلى معجزة… بل تحتاج إلى إنسان قرر أخيرًا أن يتحرك.
وإذا كان لنا أن نأخذ من ذلك البيت معنى يتجاوز الشعر، فربما هو هذا: لا بأس أن تحلم بالعلا، لكن لا تنم عنها طويلًا.
اسهر لأجلها حين يستحق الأمر، واسعَ لها، واستعن بالله، ثم اترك النتائج له؛ فليس عليك أن تضمن الوصول، وإنما عليك أن تكون صادقًا في الطريق ، وربما حين تنظر خلفك يومًا، ستكتشف أن المسافة التي كنت تظنها بعيدة، لم تكن تحتاج إلا إلى تلك الخطوة التي كنت تؤجلها كل ليلة.
مقال كُتب بقلم الدكتورة جواهر الروقي.
