إعلام الإدراك.. كيف أصبحت الخوارزميات تكتب ما نفكر به قبل أن نكتبه نحن؟
مقال كُتب بقلم الأستاذة صالحة علي الحربي.
لم يعد السؤال في عصر الإعلام الرقمي: ماذا نفكر؟ صار السؤال الأكثر خطورة: من الذي شكّل طريقة تفكيرنا؟ في الماضي كنا نظن أن أفكارنا تنبع من تجربتنا وقراءاتنا وحواراتنا. اليوم دخل طرف ثالث صامت إلى المعادلة وأعاد تشكيل الإدراك بهدوء. إنه الخوارزمية. لا تفرض رأيًا مباشرًا، ولا تمارس الإقناع التقليدي، إنما تعيد ترتيب البيئة الذهنية التي تتكون داخلها الأفكار، حتى يبدو القرار الذي نتخذه شخصيًا بينما كانت مقدماته قد صيغت قبل أن نصل إليه. هكذا انتقلنا إلى مرحلة “إعلام الإدراك”، حيث لم تعد المعركة على لفت الانتباه، إنما على هندسة الطريقة التي نرى بها العالم.
قبل سنوات تنافست المؤسسات على نشر الخبر أولًا، ثم على جذب الانتباه. مع تطور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة تجاوز الهدف الانتباه إلى ما هو أعمق: إدراك الإنسان نفسه. كل إعجاب وتعليق وثانية مشاهدة وحتى حركة الأصابع على الشاشة تتحول إلى إشارات ترسم نموذجًا معرفيًا للشخصية. هذا النموذج لا يكتفي بمعرفة ما نحب، يتوقع ما قد نحبه الأسبوع القادم، وما الذي قد يثير غضبنا غدًا. نحن نعيش في عصر “التوقعات الإدراكية”.
الخوارزمية لا تقرأ أفكارنا، تقرأ آثارها. كل فكرة تترك أثرًا رقميًا، وكل اهتمام يصنع نمطًا، وكل نمط يتحول إلى معادلة وتوقع. لذلك تعرض لك منصة ما موضوعًا كنت تنوي البحث عنه بعد ساعات فتشعر بالدهشة وتتساءل: كيف عرفوا؟ الجواب أنهم عرفوا المسار الذي يسلكه عقلك للوصول إلى الفكرة. العقل البشري يميل للاختصار ويكرر أنماطًا يمكن التنبؤ بها، وهنا تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي “خرائط إدراكية” تتوقع النسخة القادمة منك.
الأخطر أن الخوارزميات لا تكتفي بالتوقع. حين تعرض عليك الأخبار نفسها والاتجاهات نفسها والأشخاص أنفسهم، فإنها لا تغلق خياراتك مباشرة، لكنها توسع احتمال سلوك طريق ذهني معين. فيصبح السؤال ليس لماذا صدقت هذه الفكرة، وإنما لماذا لم تظهر لك الفكرة الأخرى أصلًا. هذا هو الفرق الجوهري بين إعلام التأثير وإعلام الإدراك. الأول يحاول تغيير موقفك بعد تكوينه، والثاني يتدخل قبل ولادة الرأي فيعيد تشكيل المواد الخام التي يبني العقل قناعاته منها.
النتيجة أننا نشاهد ملايين الأشخاص في قارات مختلفة يتبنون الأفكار والعبارات نفسها ويتفاعلون مع الأحداث نفسها في توقيت متقارب. التشابه لم يعد اجتماعيًا فقط، صار إدراكيًا. يكفي الذكاء الاصطناعي أن يفهم آلية انتباهنا وضعف ذاكرتنا وطريقة اتخاذنا للقرار حتى يؤثر فينا. علم الأعصاب الإدراكي يؤكد أن الدماغ يختار الطريق الأسهل لتوفير الطاقة، والخوارزميات تقدم المعلومات بهذا الترتيب. انتقلنا من صناعة الرسالة إلى صناعة الاحتمالات، ومن تحرير الخبر إلى تحرير المسار الذي يقود القارئ إليه.
يبرز هنا سؤال أخلاقي خطير: إذا كانت الخوارزمية تعرف ما سيؤثر فينا قبل أن نعرفه، فمن يمتلك حريتنا الفكرية؟ هل ما زلنا نختار أم نختار داخل حدود رسمتها أنظمة لا نراها؟ الحرية في العصر الرقمي لم تعد حرية تعبير فقط، صارت حرية إدراك. لا قيمة لحرية الكلام إذا كانت طريقة التفكير نفسها يجري توجيهها بصمت.
التحدي أمام المؤسسات الإعلامية لم يعد مواجهة الأخبار الكاذبة فقط، إنما بناء وعي نقدي يقاوم هندسة الإدراك. الصحفي القادم سيكون حارسًا للتنوع المعرفي ومهندسًا للوعي ومفسرًا للأنماط الخفية خلف الشاشات. المستقبل لن يشهد صراعًا بين الإنسان والآلة، إنما بين عقل يصنع إدراكه بنفسه وعقل يعاد تشكيله دون أن يشعر.
ومن يتخلف عن مواكبة الركب والتقنيات المتطورة، سيجد نفسه خارج المسار وهو لا يشعر. في المقابل، تظل المملكة دائمًا سباقة لمواكبة التطورات التقنية والرقمية، وفي مقدمة الركب. الإنسان الذي يحافظ على استقلال إدراكه، ويكثر من القراءة المتنوعة، ويراجع قناعاته، ويقاوم الانغلاق داخل الفقاعات الرقمية، سيظل سيدًا لعقله في زمن تتنافس فيه الخوارزميات على استعمار الوعي قبل استعمار الشاشة.
مقال كُتب بقلم الأستاذة صالحة علي الحربي.
