الرياض وباريس.. شراكة اقتصادية واستراتيجية لرسم ملامح العقد القادم
مقال كُتب بقلم: د.علي محمد الحازمي.
جاءت زيارة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – إلى العاصمة الفرنسية باريس في لحظة مفصلية. فيها العالم يعيد ترتيب أولوياته بين أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد والسباق على التقنيات الناشئة. وفي هذا السياق برزت الزيارة كمحطة اقتصادية واستراتيجية بامتياز، وتأكيد على متانة العلاقات الثنائية بين الرياض وباريس. حيث كانت محطة عمل موسعة لتثبيت أركان شراكة استراتيجية طويلة الأمد تربط طموحات رؤية السعودية 2030 بالخبرة الفرنسية الصناعية والمالية والتقنية. الرسالة كانت واضحة المعالم.. الرياض وباريس تريدان تحويل التفاهم السياسي إلى مشاريع ملموسة، وإلى أدوات تؤثر في استقرار المنطقة ونمو الاقتصاد العالمي.
بدأ المحور الاقتصادي من بوابة الاستثمار المباشر. حيث أصبحت فرنسا اليوم من أبرز المستثمرين في المملكة، وتركز وجودها في قطاعات تمثل عصب التحول السعودي.. الطاقة وإدارة المياه والنقل والخدمات اللوجستية. ولتسهيل هذا الحضور اتفق الجانبان على إنشاء إطار مالي مخصص لدعم الشركات الفرنسية العاملة في السوق السعودية. هذه الخطوة تتجاوز التسهيلات التقليدية، فهي تمنح المستثمر الفرنسي ثقة بأن مشاريعه تحظى بدعم مؤسسي وسيادي، وتقلل كلفة المخاطرة في بيئة تشهد توسعاً غير مسبوق في البنية التحتية والمشاريع الكبرى.
وفي المقابل، اتجهت الاستثمارات السعودية نحو العمق الأوروبي بخطوة لافتة. حيث وقّعت شركة القدية للاستثمار مذكرة تفاهم لتطوير وجهة عالمية متعددة الاستخدامات في منطقة سيرجي بونتواز بإقليم إيل دو فرانس، باستثمارات قد تصل إلى 6 مليارات يورو. المشروع يجمع الترفيه والضيافة والثقافة والرياضة، ويتضمن ثلاثة مرافق ترفيهية رئيسة. هذه الخطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في عمل الصناديق السيادية السعودية، من الاستثمار المالي إلى تصدير نموذج تنموي متكامل إلى الأسواق المتقدمة. وهي أيضاً رسالة مفادها أن الاقتصاد السعودي لم يعد مستهلكاً للخبرات فقط، حيث أصبح مصدراً لمشاريع ذات قيمة مضافة عالمية.
وبخصوص الطاولة المستديرة السعودية – الفرنسية التي اختتمت بحضور سمو ولي العهد والرئيس إيمانويل ماكرون كانت خلاصة هذا التوجه. أسفرت عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم غطت الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والصحة والذكاء الاصطناعي. حضور كبار التنفيذيين من البلدين أكد أن القرار السياسي وجد ترجمته في مجالس الإدارة، وأن الشراكة لم تعد حكومية فقط وإنما انتقلت إلى القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي.
على صعيد الطاقة، جمع البيان بين الواقعية والطموح. أكد الجانبان أهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية وأمن الإمدادات وحماية الممرات البحرية. وفي الوقت نفسه اتفقا على توسيع التعاون ليشمل النفط والبتروكيماويات إلى جانب الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة والهيدروجين النظيف والطاقة النووية السلمية وتقنيات خفض الانبعاثات وبناء القدرات. هذا التكامل يعكس إدراكاً مشتركاً بأن المرحلة المقبلة تتطلب تعدد مصادر الطاقة، وأن أمن الإمداد لا يتعارض مع أهداف الاستدامة، بل يتكامل معها.
وفي مجال التقنية، برز الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتقنيات الناشئة كعناوين رئيسة للتعاون. هذه القطاعات اليوم أصبحت بنية تحتية للاقتصادات التي تريد المنافسة في العقد القادم. التركيز على بناء القدرات ونقل المعرفة يشير إلى أن الشراكة تهدف إلى توطين صناعات جديدة داخل المملكة، والاستفادة في المقابل من البيئة البحثية والابتكارية الفرنسية.
أما على الصعيد الاستراتيجي، فكان واضحاً أن الاستقرار الإقليمي يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي شراكة اقتصادية. في السودان أكد الجانبان ضرورة إنهاء الأزمة ووقف التدخلات الخارجية بما يصون سيادة الدولة. وفي سوريا كان التركيز على إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، مع التأكيد على وحدة البلاد. وتأسيس مجلس أعمال سعودي – سوري – فرنسي مشترك يمثل أداة عملية لإعادة ربط سوريا بمسارات التجارة والاستثمار الإقليمية والدولية، وجعلها جسراً يربط أوروبا بالخليج وآسيا عبر طرق بديلة.
التعاون الدفاعي حصل أيضاً على دفعة جديدة من خلال اعتماد إعلان مشترك يشمل التسليح والتدريب. الهدف لم يعد مقتصراً على تلبية الاحتياجات الدفاعية، وإنما على بناء قدرات مشتركة وتعزيز التنسيق بما يخدم الأمن والاستقرار الدوليين. هذا المسار يعطي العلاقة بعداً استراتيجياً يحمي المصالح الاقتصادية من تقلبات المنطقة.
ولم تغب الثقافة والترفيه عن المعادلة. تمديد الشراكة السعودية – الفرنسية بشأن العلا حتى عام 2035 يضع مشروعاً ثقافياً وتراثياً في قلب العلاقة الاستراتيجية. العلا تتحول إلى منصة للتعاون في الآثار والمتاحف والسياحة الثقافية، وتوفر نموذجاً لكيفية تحويل الإرث إلى محرك اقتصادي. كما أن الإشادة بنجاح بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، والتأكيد على تعزيز التعاون في الشباب والرياضة، يظهر أن الاقتصاد الإبداعي صار جزءاً من النقاش الرسمي.
وكان التوقيع الأهم رمزياً واقتصادياً في آن واحد: توقيع فرنسا كأول دولة على عقد مشاركتها الرسمي في إكسبو 2030 الرياض. هذه الخطوة تمنح الحدث العالمي زخماً مبكراً، وتؤسس لمشاركة فرنسية واسعة في جناح بمنطقة “الكوكب” تحت شعار “تحت سماء واحدة”. إكسبو 2030 سيكون منصة لعرض الرؤى والابتكارات، وأيضاً فرصة لعقد شراكات اقتصادية جديدة بين مئات الشركات من البلدين.
المتابع يجد زيارة باريس رسمت ملامح شراكة اقتصادية واستراتيجية ذات أفق طويل.. على المستوى الاقتصادي، انتقلت العلاقة من التبادل التجاري إلى بناء منظومة استثمار متبادلة، تشمل مشاريع كبرى في السعودية وفي فرنسا، وإطاراً مالياً يضمن استمرارها، واتفاقيات تقنية تفتح أسواق المستقبل. وعلى المستوى الاستراتيجي، ربطت الشراكة بين أمن المنطقة واستقرار الطاقة وتعزيز التنسيق الدفاعي والثقافي.
ما تم الاتفاق عليه اليوم يعتبر تأسيس لعقد قادم. عندما يفتتح إكسبو 2030 في الرياض، وعندما تكتمل مشاريع العلا، وعندما تبدأ وجهة القدية في باريس باستقبال زوارها، سيكون بالإمكان رؤية الأثر المباشر لهذه الزيارة. لقد نجحت الرياض وباريس في تحويل التفاهم السياسي إلى خارطة طريق اقتصادية، تؤكد أن الشراكات الكبرى تبنى بالمشاريع التي تغير وجه الاقتصاد وتخلق فرصاً للأجيال القادمة، وهذا هو الهدف الذي يسعى إليه سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله -، وهو ذاته التوجه الذي تجمع عليه الرياض وباريس اليوم.

