الاقتصاد العالمي أمام اختبار وجودي: التدخل والتكامل الدوليان ضرورة غير قابلة للنقاش
بقلم: د. علي محمد الحازمي
يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة حرجة غير مسبوقة، حيث اجتمعت 3 أزمات في وقت واحد: ارتفاع أسعار النفط فوق 90 دولارا للبرميل، وتضخم يتجاوز 6% إلى 10% في عشرات الدول المستوردة للنفط، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية بنسبة تأخير وصلت إلى 30% في بعض الممرات. هذه الأزمات لا تحكمها معادلة اقتصادية مجردة، تحكمها جغرافيا سياسية ملتهبة، تقف في قلبها الاعتداءات الإيرانية وميليشيا الحوثي الإرهابية كتهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي. في ظل هذا الواقع، لم يعد التدخل الدولي خيارا مطروحا للنقاش، أصبح واجبا حتميا، ولم يعد التكامل بين الدول مجرد خيار دبلوماسي، أصبح شرطا للبقاء الاقتصادي.
العالم يستهلك اليوم أكثر من 102 مليون برميل نفط يوميا. يمر 20% منها عبر مضيق هرمز، ويمر 12% من تجارة العالم عبر باب المندب والبحر الأحمر، بقيمة تتجاوز 1 تريليون دولار سنويا. عندما تتعرض هذه الممرات لأكثر من 100 هجوم حوثي موثق خلال 24 شهرا، وعندما ترتفع كلفة الشحن والتأمين بنسبة 250%، فإن النتيجة المباشرة هي انتقال الأزمة من البحر إلى كل بيت في العالم.
الدول المستوردة للنفط تدفع الثمن الأكبر. فاتورة الطاقة ترتفع، كلفة الغذاء ترتفع، كلفة النقل ترتفع، التضخم يقفز من 2% المستهدف إلى 8% و 10%، والبنوك المركزية مجبرة على تثبيت الفائدة بين 4.5% و 5.5%، مما يخنق النمو ويهدد 400 مليون وظيفة مرتبطة بالتجارة العالمية.
ما يحدث ليس حوادث منفصلة، هو مشروع ممنهج لزعزعة الاستقرار. تسليح ميليشيا الحوثي بالصواريخ الباليستية والمسيرات بعيدة المدى، والتي يصل مداها إلى 2000 كلم، وتوجيهها لضرب ناقلات النفط ومحطات التصدير، هو اعتداء على منظومة الاقتصاد العالمي كلها. السكوت عنه يعني قبول تحويل أمن الطاقة إلى ورقة ابتزاز بيد طهران وأذرعها.
لهذا نقول بوضوح: زمن بيانات الإدانة انتهى. المطلوب تدخل دولي فوري وحازم، وتكامل اقتصادي وأمني جدي غير قابل للتأجيل أو النقاش.
حان وقت التدخل، وحان وقت التكامل، والاثنان يجب أن يكونا بجدية مطلقة غير قابلة للنقاش.
أولا، تدخل أمني رادع: فرض تنفيذ فوري وحرفي لقرارات مجلس الأمن 2216 و 2140 و 2624 الخاصة بحظر السلاح عن الحوثيين، مع آلية تفتيش دولية إلزامية في موانئ التصدير، وعقوبات مباشرة على كل شبكات التهريب الإيرانية.
ثانيا، تكامل بحري دولي ملزم: إنشاء قوة بحرية دولية مشتركة لحماية مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، بقيادة واضحة وقواعد اشتباك تسمح بالرد الفوري على أي هجوم، تتحمل كلفته الدول الـ 40 المستفيدة الأكبر من الممر، وليس دول الخليج وحدها.
ثالثا، تدخل قانوني وتصنيف حازم: اعتبار أي اعتداء على ناقلات النفط أو منشآت الطاقة جريمة تهدد السلم والأمن الدوليين وفق الفصل السابع، وفرض عقوبات اقتصادية شاملة على أي كيان يمول أو يسلح أو يغطي هذه الاعتداءات.
رابعا، تكامل اقتصادي لاستقرار الأسواق: إنشاء صندوق دولي لتأمين إمدادات الطاقة للدول النامية المتضررة، وتنسيق استراتيجي بين منتجي أوبك+ بقيادة السعودية التي تضمن استقرار 30% من الإمدادات العالمية، والمستهلكين الكبار لضمان سعر عادل بين 70 و 80 دولارا يسمح بالنمو ويمنع الابتزاز.
الرسالة واضحة: العالم لا يستطيع تحمل 3% تضخم إضافي بسبب 10 مسيرات حوثية، ولا يستطيع تحمل خسارة 1% من نموه العالمي بسبب تهديد في ممر بحري. التدخل العاجل والتكامل الجاد هما الحل الوحيد لحماية شعوب العالم والاقتصادات الدولية، وأي تأخير كلفته ستكون تريليونات الدولارات تدفعها شعوب العالم والاقتصادات الدولية معا.
صحيفة ميديا بوست الإلكترونية
