الطائف: مدينة تصنع موسمها
بقلم: أ. طلال الطويرقي
هناك فرق بين مدينة تستضيف الأحداث ومدينة تعرف كيف تحولها إلى قصة، والطائف اليوم تقف أمام هذه المسافة. فمن يقرأ ما شهدته المدينة خلال الأسابيع الماضية بعيدا عن أخبار الافتتاح والختام يدرك أننا لسنا أمام ازدحام في روزنامة الفعاليات بقدر ما نحن أمام حراك تلتقي فيه الرياضة والثقافة والتراث والإعلام والاستثمار والسياحة.
في ميدان الهجن حضر مهرجان ولي العهد للهجن بثقله الرياضي والتراثي والجماهيري، ومن داخله جاء منتدى الطائف حول الهجن في التراث والإعلام لينقل الموروث من الميدان إلى مساحة الحوار ويطرح أسئلة الثقافة والإعلام والاستثمار وصناعة التجربة. وفي الفترة ذاتها استضافت الطائف الجمعية العمومية الخامسة عشرة للاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي بمشاركة ممثلين عن سبع وخمسين دولة لتضيف إلى المشهد بعدا دوليا يتجاوز حدود المناسبة. وعلى ميدان الملك خالد واصلت الفروسية حضورها حتى ختام موسم سباقات الطائف بينما فتح معرض Future Build 2 في الردف نافذة مختلفة على العقار والبناء والاستثمار. وقبل أن يهدأ المشهد يستعد ميدان الطائف للهجن لاستقبال كأس الاتحاد السعودي للهجن في امتداد جديد للحراك الرياضي. وبين هذه الأحداث الكبرى تحركت عشرات البرامج الوطنية والمجتمعية والترفيهية التي ربما لم تتصدر العناوين لكنها أكملت صورة مدينة لم تتوقف عن الحركة.
لكن القصة في معنى أن يحدث كل هذا في مدينة واحدة وخلال فترة متقاربة أكثر من كونها في عدد ما حدث. وماذا يعني أن يصل إلى الطائف رياضيون وإعلاميون ومستثمرون ومهتمون بالثقافة والتراث وممثلون عن عشرات الدول وجماهير تبحث عن التجربة. وماذا لو لم ننظر إليهم بوصفهم حضور فعالية فقط إنما زوارا قد يعودون ومستثمرين قد يكتشفون فرصة وأصواتا تحمل صورة المدينة إلى خارجها.
هنا ينتقل الحديث من استضافة الحدث إلى صناعة المدينة. فالحدث مهما كان كبيرا سينتهي وستنطفئ أضواؤه ويغادر جمهوره لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك وهو ماذا بقي وهل عاد الزائر وهل استفادت المنشآت المحلية وهل ولدت فرصة استثمارية وهل ظهرت موهبة جديدة وهل تحولت التغطية الإعلامية إلى صورة ذهنية مستمرة وهل أصبح اسم المدينة أكثر حضورا بعد الحدث مما كان قبله. هذه الأسئلة هي التي تقيس قيمة الحراك. فالمدن تكبر بقدرتها على الاحتفاظ بأثر ما استضافته أكثر من كثرة ما تستضيفه. والطائف لا تحتاج إلى اختراع قصة جديدة فلديها التاريخ والطبيعة والورد والهجن والفروسية والثقافة والأسواق والموقع والإنسان لكن امتلاك المقومات شيء وتحويلها إلى مشروع مدينة شيء آخر.
التحدي الحقيقي أن نربط هذه العناصر ببعضها وأن يأتي الزائر من أجل سباق فيكتشف ثقافة وأن يصل إلى معرض فيرى فرصة وأن يحضر فعالية فيزور معلما وأن يأتي بسبب حدث ثم يعود لاحقا من أجل المدينة نفسها. وعندها نكون قد صنعنا تجربة تتجاوز مجرد استضافة فعالية وصنعنا سببا للعودة يتجاوز مجرد استقبال زائر.
وهنا يأتي دور الإعلام فالإعلام الذي يكتفي بصورة الافتتاح وخبر الختام يوثق الحدث لكنه لا يصنع قصته أما الإعلام الذي يسأل ماذا بعد ويقرأ الأثر ويبحث عن الفرصة ويقدم الإنسان ويربط التفاصيل بالصورة الأكبر فهو يشارك في صناعة صورتها إلى جانب نقله لما يحدث في المدينة. فالمدن تعيش في ذاكرة الناس بما يقوله الناس عنها بعد أن يغادروها أكثر مما تقوله عن نفسها. ولهذا فإن أهم ما في حراك الطائف اليوم تعدد أسباب الوصول إليها أكثر من كثرة الفعاليات مرة للرياضة ومرة للثقافة ومرة للتراث ومرة للاستثمار وحين تتعدد أسباب الوصول يصبح التحدي أن نصنع أسبابا للبقاء والعودة.
لقد اعتدنا سنوات أن نسأل متى يبدأ موسم الطائف وربما حان الوقت لتغيير السؤال كيف نجعل للطائف موسما لا ينتهي أثره. فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى إضافة حدث إلى الروزنامة بقدر حاجتها إلى ربط ما يحدث برؤية تجعل كل فعالية امتدادا لما قبلها وبداية لما بعدها وتحول الزخم إلى قيمة اقتصادية وسياحية وثقافية وإعلامية مستدامة. وعندها ستكون هذه الأحداث شواهد على مرحلة بدأت فيها المدينة تفكر بطريقة مختلفة متجاوزة كونها مجرد أخبار جميلة في أرشيف عام 2026. فالمدينة تصنع موسمها حين تعرف كيف تحول كل حدث إلى أثر وكل أثر إلى فرصة وكل فرصة إلى مستقبل أكثر من ازدحام أيامها بالأحداث، ونركز على الكيف وليس الكم.
