زمنُ المهارةِ.. وليس زمنَ الوظيفة.
بقلم: أ. طلال الطويرقي
كان السؤالُ الذي يُلاحقُ الشابَ بعد التخرجِ واضحاً: أين ستتوظف؟
اليوم، يبدو أن السؤالَ نفسَهُ لم يعدْ كافياً!
فقد يعملُ الشابُ في وظيفتهِ صباحاً، ويديرُ مشروعاً صغيراً مساءً، أو يُقدمُ خدمةً مستقلةً، ويتعلمُ مهارةً جديدة، وربما يبني مساراً مهنياً آخر، لا يرتبطُ مباشرةً بتخصصهِ الجامعي.
فهل أصبحَ الجيلُ الجديدُ أكثرَ طموحاً، أم أن مفهومَ الأمانِ الوظيفي نفسَهُ يتغير؟
لسنواتٍ طويلة، كانت الوظيفةُ تمثلُ محطةً رئيسيةً في رحلةِ الإنسانِ المهنية.
يدرسُ، ثم يتخرجُ، ثم يلتحقُ بعملٍ، ويبني داخلهُ مساراً قد يمتدُ سنواتٍ طويلة.
أما اليوم، فأصبحت الخياراتُ أكثرَ تنوعاً.
التقنيةُ فتحتْ مجالاتٍ جديدة، والعملُ المرنُ وسّعَ دائرةَ الفُرص، والمنصاتُ الرقميةُ منحتْ الفردَ قدرةً أكبرَ على تقديمِ مهارتهِ والوصولِ إلى العملاءِ والجمهور.
ومع هذا التحول، لم تعد الوظيفةُ عند بعضِ الشبابِ نهايةَ رحلةِ البحث، بل جزءاً من رحلةٍ أكبر.
واللافتُ أن البحثَ عن مسارٍ آخر، لا يرتبطُ دائماً بالمال!
هناك من يبحثُ عن دخلٍ إضافي، ومن يبحثُ عن مساحةٍ للإبداع، ومن يريدُ اختبارَ فكرةٍ تجارية، ومن يحاولُ بناءَ مهارةٍ تمنحهُ خياراتٍ أوسعَ في المستقبل.
وهنا يظهرُ تحولٌ يستحقُ القراءة.
فالإنسانُ لم يعدْ مضطراً إلى تعريفِ نفسهِ بمسمىً وظيفيٍ واحدٍ طوالَ حياته.
قد يكونُ موظفاً ومصوراً، مهندساً وصانعَ محتوى، معلماً وصاحبَ مشروع، أو متخصصاً في مجالٍ ويتعلمُ مجالاً آخر.
لكن كثرةَ الخياراتِ تحملُ مفارقةً أخرى!
فكما منحتْ الإنسانَ مساحةً أكبرَ للحركة، وضعتْ أمامهُ ضغطاً جديداً: أن يشعرَ بأنهُ يجبُ أن يفعلَ كلَ شيء!
وظيفة، مشروع، استثمار، دورات، محتوى، ودخلٌ إضافي، حتى أصبحَ البعضُ يخشى أن يكونَ الاستقرارُ نفسُهُ نوعاً من التأخر.
وهنا، ينبغي أن نفرقَ بين الطموحِ والاستنزاف.
ليس مطلوباً من كلِّ موظفٍ أن يصبحَ رائدَ أعمال، ولا من كلِّ شابٍ أن يمتلكَ أكثرَ من مصدرٍ للدخل، ولا من صاحبِ كلِّ موهبةٍ أن يحولَ موهبتهُ إلى مشروعٍ تجاري.
فالنجاحُ لا يُقاسُ بعددِ الأعمالِ التي يحملُها الإنسانُ في يومه، بل بقدرتهِ على بناءِ قيمةٍ حقيقية، دونَ أن يفقدَ نفسَهُ في الطريق.
وربما السؤالُ الأهمُ في هذا التحول، ليس: كم وظيفةً تستطيعُ أن تعمل؟ بل: ما المهارةُ التي تستطيعُ أن تحملَها معك إذا تغيرتْ الوظائف؟
فالوظائفُ تتغير، والقطاعاتُ تتطور، والتقنيةُ تُعيدُ تشكيلَ أسواقِ العمل.
أما القدرةُ على التعلمِ والتكيفِ وبناءِ المهارة، فهي رأسُ مالٍ يستطيعُ الإنسانُ أن ينتقلَ بهِ من فرصةٍ إلى أخرى.
ومن هنا، قد نحتاجُ إلى تعديلِ سؤالٍ نطرحهُ كثيراً على الشباب.
بدلاً من أن نسألَ فقط: أين تريدُ أن تعمل؟ لنسألْ أيضاً: ماذا تريدُ أن تُتقن؟
فالفرقُ بين السؤالين كبير! الأولُ يبحثُ عن مكان، والثاني يبني قيمة.
ولا يعني ذلك أن زمنَ المسارِ الوظيفيِ الثابتِ انتهى، فسيظلُ هناك من يجدُ استقرارَهُ ونجاحَهُ في مسارٍ مهنيٍ واحد، وهذا نجاحٌ كامل، لا يحتاجُ إلى مشروعٍ جانبيٍ حتى يُثبتَ نفسَه.
لكن الذي يتغيرُ، هو الفكرةُ القديمةُ التي تفترضُ أن الإنسانَ يتعلمُ مرةً واحدة، ثم يعملُ بالطريقةِ نفسِها بقيةَ حياته.
العالمُ يتغيرُ بسرعة، ومن الطبيعي أن تتغيرَ معهُ علاقتُنا بالعمل.
ولذلك، قد لا يكونُ أمانُ المستقبلِ في عددِ الوظائفِ التي نملكُها، ولا في عددِ المشروعاتِ التي نبدأُها، بل في قدرتِنا على امتلاكِ شيءٍ لا يسقطُ بتغيرِ المسمى الوظيفي.
مهارةٌ تتطور، وعقلٌ يتعلم، وقيمةٌ يحتاجُها الآخرون.
لأن السؤالَ الذي قد يصنعُ الفارقَ مستقبلاً، لن يكونَ دائماً: أين تعمل؟ بل: ماذا تعرفُ أن تفعل؟
