حين تتحول الأنا إلى أذى
بقلم: طلال الطويرقي.
ليست كل الخلافات في بيئات العمل اختلافًا في الرؤى، فبعضها يبدأ حين تتضخم الأنا، ويعتقد الإنسان أن حضوره أهم من المشروع، وأن رأيه أحق بالقبول، وأن النجاح لا يكتمل ما لم يُنسب إليه.
وهنا تبدأ أزمة حقيقية، حين يتحول العمل الجماعي من مساحة للتكامل إلى ساحة لإثبات الذات، ويصبح البحث عن المكانة أكثر أهمية من تحقيق الأهداف، ويُنظر إلى نجاح الآخرين وكأنه انتقاص من قيمة الذات.
فالفرق كبير بين من يريد نجاح المشروع، ومن يريد أن يكون هو المشروع.
والأخطر أن بعض الخلافات لا تنتهي بانتهاء العمل، بل تبدأ بعده، حين تتحول الملاحظات المهنية إلى أحاديث جانبية، والاختلافات الشخصية إلى مبررات للإساءة وتشويه السمعة، وكأن انتهاء العلاقة المهنية يمنح البعض حق إعادة كتابة الوقائع وفق أهوائهم.
إن الاختلاف مع القائد حق مشروع، وانتقاد قراراته دليل على حيوية بيئة العمل متى كان موضوعيًا، لكن ذلك لا يمنح أحدًا الحق في اجتزاء الحقائق أو تحويل الانطباعات الشخصية إلى اتهامات تمس كرامة الآخرين.
فالنقد المهني يناقش القرار، أما التشويه فيستهدف الإنسان.
ولا تقل خطورة من يتلقون الروايات دون تثبت عن خطورة من يروجونها، فكم من سمعة تضررت لأن شخصًا تحدث، وآخر صدّق، وثالث نقل، حتى أصبحت الظنون حقائق في أذهان البعض.
وهنا يبرز سؤال أخلاقي ينبغي أن يواجه به كل إنسان نفسه: هل ما أسمعه حقيقة موثقة، أم مجرد رواية من طرف واحد؟
لقد أرست قيمنا الإسلامية منهجًا عظيمًا في التعامل مع الأخبار والاتهامات، حين جاء التوجيه القرآني واضحًا: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
أما القائد الحقيقي فلا تهزّه الأقاويل، ولا يستنزف وقته في الرد على كل إساءة، فهو يدرك أن مكانته تصنعها أفعاله لا أحاديث الآخرين.
فبعض الصمت هيبة، وبعض التجاهل حكمة، والقائد الذي يعرف قيمة إنجازه لا يسمح للخلافات العابرة أن تصرفه عن أهدافه الكبرى.
والقيادة الناجحة لا تُقاس بالقدرة على فرض الرأي أو إسكات المختلفين، بل بالعدالة في توزيع المسؤوليات، ووضوح الصلاحيات، وإنصاف أعضاء الفريق، والقدرة على إدارة الخلاف دون تحويله إلى خصومة شخصية.
والقائد الواثق لا يخشى بروز أعضاء فريقه، بل يصنع لهم الفرص ويمنحهم التقدير، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن الثقة لا تعني غياب المساءلة، وأن تقدير الجهود لا يمنح أحدًا حق تجاوز المسؤوليات أو الإساءة للآخرين.
ومن هنا، فإن حماية بيئات العمل تبدأ بتوثيق المهام والصلاحيات، ووضع آليات واضحة لمعالجة الشكاوى، والاستماع لجميع الأطراف، وعدم السماح بتحويل الاختلافات المهنية إلى معارك اجتماعية.
إننا بحاجة إلى ثقافة تدرك أن النجاح لا يعني تصدر المشهد، وأن قوة الشخصية لا تعني احتكار القرار، وأن حفظ السمعة مسؤولية أخلاقية لا يجوز أن تخضع لتقلب العلاقات والمصالح.
فالمشاريع تنتهي، والمناصب تتغير، والفرق تتبدل، لكن أخلاق الإنسان عند الاختلاف هي التي تكشف حقيقة معدنه.
وأخطر ما يصيب المجتمع ليس اختلاف أبنائه، بل أن تصبح الألسنة محاكم، والظنون أحكامًا، وتشويه السمعة وسيلة للنيل من الآخرين.
فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى إقصاء أحد، والقائد الناجح لا يصنع مجده على حساب فريقه، والإنسان النبيل لا يبني مكانته على أنقاض سمعة غيره.
