في مقال للأمير تركي الفيصل | اتفاقية مكة للدفاع المشترك
التحرير – وكالة ميديا بوست للأنباء
في مقالٍ نُشر بصحيفة الشرق الأوسط يوم الجمعة 15 ربيع الأول 1448هـ الموافق 28 أغسطس 2026م، كتب الأمير تركي الفيصل عن حدثٍ تابعه العالم: “توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.
يستهل سمو الأمير تركي الفيصل مقاله بالاعتراف أن الاتفاقية قوبلت بموجة من التحليلات المتضاربة. البعض شك في جدواها، والبعض اتهمها بأنها تستهدف دولاً بعينها أو تحمل صبغة مذهبية. لكنه يرد بحسم: هذا حلف دفاعي مشروع، ومن يشكك فيه إما أنه يضمر شراً لهذه الدول، أو يخطط لاستهدافها لاحقاً. فالتحالفات عبر التاريخ لم تكن ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة تفرضها التهديدات المشتركة وقراءة استراتيجية موحدة للمخاطر.
هنا يضع الأمير تركي الفيصل الاتفاقية في سياقها الفعلي. المنطقة تمر بمرحلة مفصلية. الحروب الحالية ستخلف “فراغاً استراتيجياً”، وينتهي نظام إقليمي قديم كان قائماً على الحماية الدولية. في هذا الفراغ، لا بد من فاعلين جدد يعيدون التوازن. وتأتي الدول الثلاث – السعودية وتركيا وباكستان – بتكامل واضح: موقع جيواستراتيجي، وعمق بشري، وقدرات عسكرية واقتصادية، تجعلها مؤهلة لأن تكون ركيزة الاستقرار القادم. والباب بحسب المقال مفتوح أمام دول أخرى تشاركها نفس الأهداف.
النقطة الأهم في المقال هي إعادة تعريف دور المملكة. يرد الكاتب على من اختزل دور السعودية في “القدرة المالية” أو “البحث عن داعم”. ويقول إن أهمية المملكة لا تقل عن شركائها، بل قد تتجاوزها. فالمملكة لا تقدم مالاً فقط، بل تقدم موقعاً يربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وسواحل على البحر الأحمر والخليج تتحكم في شرايين التجارة والطاقة. وتقدم نفطاً ليس مجرد سلعة، بل أداة تؤثر في التضخم والنمو في كل دول العالم. وتقدم مكانة دينية لا تملكها أي دولة: قبلة المسلمين التي تمنحها شبكة علاقات مع ملياري مسلم. وفوق ذلك كله، تقدم دبلوماسية حكيمة وعلاقات متوازنة مع أمريكا والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، ورؤية 2030 التي تحول الثروة النفطية إلى قوة اقتصادية وتقنية ودفاعية مستدامة.
بهذا، لا تظهر السعودية في الاتفاقية كطرف يبحث عن حماية، بل كطرف يصنع الحماية. التحالف بالنسبة لها “قيمة مضافة” لمسيرة تبني فيها قوتها الذاتية.
مقال الأمير تركي الفيصل يتجاوز كونه شرحاً لاتفاقية. هو إعلان عن ميلاد عقل أمني جديد في المنطقة. رسالته للخارج واضحة: لم نعد ننتظر من يحمينا، نحن نبني تحالفاتنا بأنفسنا. ورسالته للداخل أوضح: الأمن جزء من التنمية، ونجاح رؤية 2030 يحتاج إلى بيئة مستقرة نصنعها بأيدينا.
تسمية “اتفاقية مكة” ليست صدفة. هي سحب للشرعية من أي تأويل طائفي أو ضيق، ووضع للتحالف في الإطار الأوسع: أمن أمة ومستقبل منطقة.
في زمن التعددية القطبية والاضطراب الدولي، تختار السعودية أن تكون فاعلاً لا مفعولاً به. وهذا جوهر المقال.

