عام الذكاء الاصطناعي 2026: كيف تحول السعودية الآلة إلى قوة استراتيجية؟
بقلم: أ. صالحة علي الحربي
في هذا العام الذي أعلنته المملكة عاما للذكاء الاصطناعي، تجاوزنا مرحلة الحديث عن تقنية هامشية أو إضافة رقمية ثانوية. الحديث اليوم يدور حول تحول جوهري في مفهوم القوة ذاتها.
نحن نرى هذا التحول في كل مكان حولنا في أبها والرياض وجدة. نراه في عين الشاب الذي كان يبحث عن وظيفة وأصبح اليوم يبني شركة تقنية، وفي عين الطبيبة التي كانت تقضي ساعات في قراءة التحاليل وأصبحت تجد التشخيص في دقائق، وفي عين المعلم الذي أصبح يفهم طلابه فردا فردا.
المقدمة الحقيقية لهذا التحول تدركها القيادة السعودية بوعي استثنائي. عندما أسست الدولة سدايا عام 2019 لم تؤسس جهازا تقنيا، أسست عقلا وطنيا يفكر للمستقبل. واليوم عندما وافق مجلس الوزراء على تسمية 2026 عاما للذكاء الاصطناعي، كان ذلك إعلانا بأننا انتقلنا من مرحلة التجربة إلى مرحلة السيادة.
ولغة الأرقام هنا لا تكذب، لكنها تحكي قصتنا جميعا.
عندما تقول التقارير الدولية إن المملكة احتلت المركز الرابع عالميا في تبني الشركات للذكاء الاصطناعي والرابع في وصول المجتمع إلى تقنياته والخامس في ثقة الناس به، فهي لا تتحدث عن خوارزميات، تتحدث عن ثقة شعب بقيادته، وثقة قيادة بشبابها.
عندما نسمع أن الاقتصاد الرقمي وصل إلى 139 مليار دولار ويساهم بنسبة 16% من الناتج المحلي بعد أن كان حلما صغيرا قبل ثمان سنوات، نتذكر أن خلف كل مليار وظيفة، وخلف كل وظيفة بيت سعودي تغيرت حياته.
الأرقام تقول إن شركات الذكاء الاصطناعي في المملكة جذبت 9.1 مليار دولار، وإن عدد السجلات التجارية لهذا القطاع قفز إلى أكثر من 19 ألف سجل بنمو 240%، لكن القصة الحقيقية هي أن 19 ألف شاب وشابة قرروا أن يكونوا منتجين لا مستهلكين.
في الصحة، التقرير الذي أطلق في مؤتمر ليب 2026 كشف أن 69% من السعوديين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للاطمئنان على صحتهم، وهي النسبة الأعلى في العالم. هذا ليس حبا للتقنية، هذا وعي جديد، إنسان يريد أن يبادر بصحته قبل أن يمرض.
وفي أجمل صور التحول، نرى مشاركة المرأة السعودية في القطاع التقني قفزت من 7% إلى 35% متجاوزة متوسط أوروبا ووادي السيليكون، ونرى أكثر من مليون مواطن تدربوا عبر مبادرة سماي. هذه ليست إحصائية تدريب، هذه مليون قصة طموح.
التحدي الأكبر لا يكمن في سرعة التطور التقني، يكمن في قدرتنا على أن نجعل هذا التطور يلمس حياة الناس. المصنع الذي يقلل الهدر يحافظ على موارد وطننا، والمستشفى الذي يشخص مبكرا يحفظ أبا وأما، والمعلم الذي يخصص تعليمه يصنع عالما صغيرا.
في نهاية المطاف، قصة الذكاء الاصطناعي في السعودية ليست قصة منافسة بين الإنسان والآلة. هي قصة وطن قرر أن يجعل الآلة امتدادا ليد الإنسان وعقله وقلبه. عام 2026 سيذكر ليس لأنه عام وضعنا فيه شعارا جديدا، سيذكر لأنه العام الذي قررنا فيه أن نملك قرارنا في عالم تتحكم فيه الخوارزميات، وأن نحول البيانات إلى سيادة، والسيادة إلى كرامة، والكرامة إلى مستقبل يعيشه أبناؤنا بفخر.
صحيفة ميديا بوست الإلكترونية.
