الذهب بين الملاذ الآمن والمضاربات
التحرير – اقتصاد ومال
المتابع لتحركات الذهب الملاذ الآمن يرى صورة واضحة. خط بدأ العام هادئا عند 4000 دولار، ثم اندفع بشكل حاد حتى لامس 5400 دولار، ثم هوى بشكل عمودي ليعود إلى نقطة البداية، 3995 دولارا. هذه ليست صورة أصل مالي، هذه صورة نفسية بشرية كاملة، صورة طمع وخوف وتسرع.
كثيرون اليوم يسألون هل فقد الذهب صفته كملاذ آمن؟ والحقيقة أن السؤال خاطئ. الذهب لم يفقد صفته، نحن الذين غيرنا مفهومه الاقتصادي والاستثماري كملاذ آمن.
ما حدث في الأشهر الماضية أن الذهب انتقل من يد إلى يد مختلفة. خرج من خزائن البنوك المركزية التي تشتريه بهدوء لحماية احتياطياتها على مدى 10 سنوات، ودخل إلى شاشات المضاربين الذين يشترونه ليبيعوه بعد ساعتين. الارتفاع إلى 5400 دولار لم يكن ارتفاع خوف حقيقي من حرب أو انهيار، إنما كان ارتفاع لهفة. لهفة أفراد خافوا من التضخم، وصناديق أرادت ركوب الموجة. وحين يتحول الملاذ الآمن إلى أداة للمضاربة السريعة، فإنه يفقد حصانته ويصبح عرضة لنفس قانون أي سهم مضاربي، يصعد بجنون ثم يصحح بقسوة.
في نفس التوقيت كان هناك لاعب آخر يصعد بهدوء ويقتل بريق الذهب، وهو الدولار وعائد السندات. الذهب بطبيعته عنيد، لا يمنحك فائدة شهرية ولا يوزع أرباحا. هو فقط يحفظ قيمتك. لكن حين يمنحك السند الأمريكي عائدا يتجاوز 5% وأنت جالس في مكانك وبدون أي مخاطرة، يصبح السؤال مشروعا لدى أي مدير محفظة عاقل: لماذا أحتفظ بأصل صامت بينما أستطيع الحصول على عائد مضمون؟ وهنا بدأ النزيف، سيولة ضخمة خرجت من الذهب وعادت إلى أحضان الدولار والسندات. ليس كرها في الذهب، إنما طمعا في العائد.
ثم جاءت الضربة الثالثة من حيث لا يتوقع صغار المستثمرين. فحسب ما جاء في تقرير مجلس الذهب العالمي World Gold Council، بلغت مشتريات البنوك المركزية 863 طنا في عام 2025، وهو العام الثالث على التوالي الذي يتجاوز فيه الطلب مستويات قياسية فوق المتوسط التاريخي البالغ 473 طنا، وكانت الصين والهند وبولندا في مقدمة المشترين، وهو ما يمثل المحرك الحقيقي لصعود الذهب في السنوات الأخيرة. هذه البنوك اشترت بشراهة عند مستويات 4000 إلى 4500 دولار. لكن عند مستوى 5400 دولار بدأت مرحلة جني الأرباح، حيث يشير التقرير إلى أن التقييمات المرتفعة دفعت البنوك إلى نهج أكثر حذرا تجاه الأسعار القياسية. السوق حين يفقد أكبر مشتر فيه، يفقد توازنه.
هل هذا يعني نهاية الذهب؟
على الإطلاق. القاعدة التي تعلمتها في إدارة الأستثمار تقول إن هناك فرقا بين حماية النظام وبين تقلبات النظام. والمقصود بالنظام هنا هو النظام المالي والنقدي العالمي نفسه بثقته ومؤسساته، وليس حركة الأسعار داخله. فتقلبات النظام هي الوضع الطبيعي، أن يرتفع الدولار أو يصحح الذهب من 5400 إلى 3995 بينما النظام سليم ومتماسك. أما حماية النظام فتعني اللحظة التي ينهار فيها النظام نفسه، حين تنهار بنوك كبرى أو تفقد الثقة في الدولار أو تندلع حرب عملات. الذهب لا يحميك من تقلبات القارب وهو يهتز، إنما يحميك حين يغرق القارب نفسه. وحين يكون النظام مستقرا وقويا والاقتصاد الأمريكي متماسكا كما هو اليوم، فمن الطبيعي أن يتراجع الذهب.
إن تقلبات الذهب قصيرة الأجل لا تنفي قيمته كأصل للتحوط، بل تعكس طبيعته كاستثمار طويل الأمد يتطلب استراتيجية واضحة؛ فالمستثمر الذي يتبنى أفقاً زمنياً ممتداً يدرك أن تذبذب الأسعار لا يمس القيمة الجوهرية للذهب كمخزن للقيمة، بينما يقع المضاربون في فخ محاولة استغلال التقلبات السعرية العنيفة لتحقيق مكاسب سريعة.
الذهب لا يفقد قيمته، لكنه يعاقب من يستخدمه كرهان سريع للثراء.
صحيفة ميديا بوست الإلكترونية
القسم الاقتصادي
