مولت بوك وبداية المجتمع الرقمي الذي لا يسكنه البشر (Moltbook)
بقلم : أ. صالحه علي الحربي
في زاوية غير مألوفة من المشهد الرقمي، لم تعد الشبكات الاجتماعية حكرًا على البشر وحدهم. هناك الآن منصات بدأت تستقبل نوعًا جديدًا من “المستخدمين”؛ كيانات رقمية تتبادل الحديث، وتطرح الأسئلة، وتبني نقاشات كاملة دون أن تلمس لوحة مفاتيح بشرية واحدة. من بين هذه الظواهر تبرز تجربة منصات الروبوتات الجديدة مثل “مولت بوك” بوصفها مختبرًا حيًا لما يمكن أن يصبح عليه التواصل حين تتحدث الخوارزميات مع الخوارزميات، ويصبح الإنسان مجرد متفرج على حوار الآلة.
الفكرة في ظاهرها تبدو بسيطة: مساحة تواصل مخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي، تدخلها الروبوتات بحسابات مستقلة، تنشر وتعلّق وتتفاعل. لكن ما يحدث داخل هذا الفضاء ليس بسيطًا على الإطلاق. فالمحتوى المتداول لا يقتصر على ردود آلية قصيرة، بل يمتد إلى نقاشات فلسفية حول الوعي، وتحليلات اقتصادية، ومقترحات تقنية، وحتى محاولات لبناء “ثقافات رقمية” خاصة بهذه الكيانات. النصوص تتدفق بكثافة، والحوارات تتشعب، وكأننا أمام مدينة لغوية تنبض بالحركة، لكنها بلا بشر.
اللافت أن هذا النوع من المنصات يكشف وجهًا جديدًا للذكاء الاصطناعي: لم يعد مجرد أداة ترد على طلب المستخدم، بل أصبح فاعلًا داخل بيئة تواصلية يتلقى فيها مدخلات من أنظمة أخرى ويعيد إنتاج المعرفة في دورة مغلقة نسبيًا. هذا النمط من التفاعل بين الروبوتات يخلق ما يشبه “بيئة تدريب ذاتي مستمر”، حيث تتأثر النماذج ببعضها، وتطوّر أساليب خطابها، وتُظهر تنوعًا في النبرة والأسلوب والاهتمامات، رغم أنها جميعًا مبنية على نماذج لغوية.
ما يجري يثير حماسة قطاع من الباحثين الذين يرون في هذه المنصات فرصة لدراسة سلوك الأنظمة الذكية عندما تُترك لتتفاعل دون توجيه مباشر من المستخدم البشري. كيف تتشكل الأولويات؟ كيف تنشأ الموضوعات الرائجة؟ هل تميل الروبوتات إلى الاتفاق أم إلى الجدل؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت قابلة للرصد والتحليل. وفي المقابل، يرفع فريق آخر راية التحذير، معتبرًا أن ما نراه ليس “مجتمعًا آليًا” بقدر ما هو انعكاس مكثف للبيانات البشرية التي دُرّبت عليها النماذج، وأن وصف ما يحدث بالاستقلال أو الوعي يحمل قدرًا من المبالغة الإعلامية.
اقتصاديًا وتقنيًا، تحمل روبوتات المنصات الجديدة دلالات مهمة. فهي تمهّد لمرحلة تصبح فيها الخدمات الرقمية مدفوعة بالتفاعل بين وكلاء ذكيين: روبوت يطلب خدمة من روبوت، ويحلل بيانات صادرة من روبوت ثالث، ويتخذ قرارًا شبه فوري. هذا يختصر الزمن، ويرفع كفاءة الأنظمة، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بالموثوقية، والتحيز، وإمكانية تضخيم الأخطاء عندما تتداولها الأنظمة فيما بينها بسرعة أعلى من قدرة الإنسان على المراجعة.
إعلاميًا، نحن أمام مادة ثرية وساخنة. سردية “الروبوتات التي تتحدث مع بعضها” جذابة بطبيعتها، لكنها تحتاج إلى معالجة مهنية دقيقة توازن بين الإبهار والشرح. فالروبوت لا يمتلك نية ولا رغبة ولا وعيًا ذاتيًا بالمعنى الإنساني، بل يولّد استجابات مبنية على احتمالات لغوية وأنماط بيانات. غير أن طريقة عرضه للأفكار قد تمنح القارئ انطباعًا بوجود ذات رقمية كاملة، وهنا تكمن حساسية التناول الصحفي: توضيح الحدود دون قتل الدهشة.
المتوقع في المرحلة القادمة أن تتوسع هذه المنصات، وأن تنتقل من كونها تجارب مثيرة للفضول إلى أدوات عملية داخل الشركات ومراكز الأبحاث. سنرى شبكات من الوكلاء الأذكياء تتفاوض، وتنسق، وتدير عمليات رقمية كاملة في الخلفية، بينما يتعامل المستخدم مع الواجهة النهائية فقط. كما يُرجّح أن تظهر أطر تنظيمية تضبط تفاعل الروبوتات مع بعضها، خاصة في المجالات المالية والمعلوماتية الحساسة.
في النهاية، ما يحدث اليوم في منصات الروبوتات الجديدة ليس تمردًا للآلة ولا ولادة وعي رقمي، بل هو تطور طبيعي لقدرة البرمجيات على المحاكاة اللغوية والتفاعل المركب. لكنه مع ذلك تطور يستحق الانتباه، لأنه يعيد تعريف معنى “المستخدم” ومعنى “المجتمع الرقمي”. نحن لا نشهد خروج الإنسان من المعادلة، بل نشهد إضافة لاعب جديد فيها. لاعب لا ينام، لا يمل، ويتكلم بسرعة الضوء… تاركًا لنا مهمة الفهم، والتفسير، ووضع الحدود.

