كن عصاميًا على نهج النبوة
مقال كُتب بقلم: د.جواهر الروقي
ليس كل ما يؤلمنا في الحياة يُرى، فبعض المعارك لا يسمع بها أحد، وبعض الخسارات لا تُروى، وبعض الأيام تمرّ على الإنسان وكأنها عابرة، بينما هي في داخله تترك أثرًا لا يزول بسهولة ، تلك هي الحياة؛ لا تمنح أحدًا طريقًا مستقيمًا دائمًا، ولا تعِد أحدًا بأن تبقى الرياح هادئة، لكنها تمنحنا في المقابل فرصة عظيمة: أن نكتشف من نكون حين تهتز الأشياء من حولنا.
وقد صدق المعنى الذي عبّرت عنه الأبيات: الإنسان مهما ظن أنه قوي، ستأتيه لحظة يشعر فيها أنه كالجبل تصطدم به الرياح، ولحظة أخرى يشعر فيها أنه أضعف من أن يحمل ما نزل به ، وليس في ذلك عيب؛ فالقوة الإنسانية لا تعني ألا نتعب، ولا أن نمضي في الحياة بلا انكسار، وإنما أن نعرف كيف نعود بعد كل انحناءة، وكيف نُرمم أنفسنا دون أن نفقد إيماننا بالحياة.
وهنا تبدأ العصامية بمعناها الأعمق؛ فالعصامي ليس ذلك الذي لم تسقطه الحياة قط، بل ذلك الذي لم يجعل سقوطه تعريفًا نهائيًا له ، هو الذي يتعامل مع الظروف باعتبارها واقعًا يحتاج إلى إدارة، لا قدرًا يستسلم له ، يبحث عن الحل حين تضيق الخيارات، ويتعلم حين يجهل، ويبدأ من جديد حين تتعثر خطواته، ويؤمن أن ما لا يستطيع تغييره يستطيع أن يغيّر طريقته في التعامل معه.
لكن العصامية التي نريدها ليست بطولة فردية تُقصي الإنسان عن ربه أو عن الآخرين؛ بل عصامية مؤمنة تعرف أن الأخذ بالأسباب عبادة، وأن السعي مسؤولية، وأن النتائج بيد الله ، وهذا هو جمال المنهج النبوي؛ فقد كان النبي ﷺ يعلمنا أن التوكل لا يعني ترك العمل، وأن الإيمان لا يلغي الأخذ بالأسباب ، قال ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» ، ثلاث كلمات ترسم منهجًا متكاملًا للحياة: احرص؛ فلا تكن سلبيًا أمام واقعك، واستعن بالله؛ فلا تظن أنك وحدك في الطريق، ولا تعجز؛ فلا تجعل العثرة نهاية القصة.
وفي هذا المنهج تتوازن العصامية مع الإيمان؛ فتعمل وكأن عليك مسؤولية الطريق، وتتوكل وكأن الأمر كله بيد الله. تنهض بنفسك، لكنك لا تستغني عن ربك ، تطلب العون، لكنك لا تتخلى عن دورك ، تتألم، لكنك لا تسمح للألم أن يصنع منك إنسانًا مهزومًا ، ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من تقلّبات الحياة أن الإنسان لا يُقاس بالأيام التي كان فيها قويًا، بل بالمواقف التي كان يستطيع فيها أن ينهار واختار أن يستمر. ولا يُقاس بعدد المرات التي لم يسقط فيها، بل بعدد المرات التي سقط فيها ثم عاد أكثر وعيًا، وأكثر نضجًا، وأقرب إلى الله.
لذلك، حين تأتيك الحياة بما لم تتوقعه، لا تسأل فقط: لماذا حدث لي هذا؟
اسأل أيضًا: ماذا يريد الله أن يصنع بي من خلاله؟ وماذا أستطيع أن أصنع أنا رغم حدوثه؟
فربما لم تكن الريح التي هزتك جاءت لتقتلعك، بل لتكشف لك جذورك ، وربما لم يكن الانكسار إعلانًا عن نهايتك، بل بداية لاكتشاف قوتك الحقيقية.
كن عصاميًا؛ اسعَ، تعلّم، قاوم، ابدأ من جديد، ولا تستسلم للظروف ، وكن نبويّ المنهج؛ استعن بالله، أحسن الظن به، اصبر، واربط قلبك به قبل أن تربط نجاحك بأي سبب ، فالحياة ستظل مليئة بالرياح، لكن الفرق ليس في غياب الريح… الفرق في الجذر الذي تقف عليه، والقلب الذي تستند إليه، والإنسان الذي تختار أن تكونه بعد أن تهدأ العاصفة.
