إلى مجلس الأمن: احموا الممرات
بقلم: د. علي محمد الحازمي
حين تأسس مجلس الأمن في عام 1945 لم يكن تأسيسه مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، كان إعلانا عن مبدأ واحد لا يقبل التأويل مفاده أن هذا العالم لا يمكن أن يترك نهبا لمزاج القوة التي تهدد الممرات وتبتز الشعوب، ولقد منحت الدول 5 الكبرى حق النقض لا تشريفا لها، تكليفا ثقيلا بأن تكون حارسة للسلم، واليوم وبعد 81 عاما على ذلك التأسيس تختبر تلك الفكرة في أضيق ممرات العالم وأخطرها في البحر الأحمر، وهو الممر الذي أكدت المملكة العربية السعودية في أكثر من بيان لوزارة الخارجية أن أمنه جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
إن ميليشيا الحوثي التي تصنفها قرارات مجلس الأمن 2216 و 2140 و 2624 كطرف معرقل للسلم تجاوزت كونها تهديدا يمنيا داخليا لتتحول إلى أداة وظيفية تضرب الاقتصاد العالمي من خاصرته الرخوة، فصواريخها الباليستية وطائراتها المسيرة لم تعد تستهدف جبهة عسكرية، تستهدف سفنا مدنية لا تحمل سلاحا، وألغامها البحرية تزرع في ممر تعبره 12% من تجارة العالم حسب تقرير الأونكتاد 2024، في سوق يستهلك 102.9 مليون برميل يوميا حسب وكالة الطاقة الدولية، وكانت النتيجة أن كلفة التأمين البحري قفزت بنسبة 250% وفق لويدز لندن، وزمن الإبحار ازداد بنسبة 30% بعد تحويل 90% من السفن إلى رأس الرجاء الصالح، وتضخما يلتهم مدخرات 400 مليون أسرة في الدول النامية.
إن المسؤولية القانونية يتحملها مجلس الأمن وحده لأنه الجهة الوحيدة التي تملك الفصل 7، فحين يصدر 3 قرارات ملزمة ثم يتركها بلا تنفيذ فهو يقول إن الاعتداء بلا ثمن، والأمن الدولي شبكة متكاملة، أمن الطاقة يضرب حين يهدد 20% من نفط العالم في هرمز، وأمن الغذاء يضرب حين تتعطل 22 مليون طن حبوب في باب المندب، وأمن الاقتصاد يضرب حين يثبت الفيدرالي الفائدة عند 5.5% بسبب اعتداء إرهابي، وأمن البيئة يضرب حين تتعرض ناقلة تحمل 2 مليون برميل لخطر التسريب.
وقد ظهر هذا الشلل بوضوح قبل 48 ساعة فقط حين سقط مشروع قرار لتمديد فريق خبراء إيران رغم حصوله على 11 صوتا بسبب فيتو مزدوج من روسيا والصين في 18 سبتمبر 2026، وتكرر 4 مرات في أوكرانيا و 5 مرات في غزة، حتى قال الأمين العام جوتيريش إن الانقسامات تخلق بيئة إفلات من العقاب، ولهذا نقول إن أي فيتو لحماية اعتداء موثق هو تخلي عن مسؤولية 1945 وتحويل للمجلس من حارس إلى شريك في التعطيل.
لا نريد اجتماعا جديدا، نريد إرساء جديدا بأركان 4 وجدول ملزم، قرار تحت الفصل 7 خلال 30 يوما يعتبر الاعتداء على الملاحة عدوانا على السلم، وتفعيل عقوبات ذكية تحظر مكونات صواريخ 2000 كلم وإعادة فريق خبراء يبلغ كل 90 يوما، وآلية تمويل لا تدفعها السعودية والإمارات ومصر وحدها لحماية ممرات يستفيد منها 40 اقتصادا يمثل 85% من الناتج العالمي، وصندوق طوارئ أممي لدول تدفع 10% تضخما إضافيا بسبب اعتداء لم ترتكبه.
مجلس الأمن أمام خيارين. إما أن يثبت خلال 30 يوما أنه حارس الأمن. أو يعلن عجزه. وفي الحالتين، الممرات ستحمى.
صحيفة ميديا بوست الإلكترونية
