هل كل من اقترب منك يستحق أن يعرفك؟
بقلم: د. جواهر الروقي
ربما هذا السؤال لا نطرحه في بداية العلاقات، بل بعد أن نتعلم منها. ففي البدايات نعتقد أن القرب يعني أن نكشف كل شيء، وأن الصداقة الحقيقية هي التي لا أسرار فيها، وأن من نحبهم يجب أن يعرفوا تفاصيلنا، أفراحنا وأحزاننا، أحلامنا ومخاوفنا، حتى نكتشف مع الوقت أن الإنسان لا يؤذيه دائمًا ما فعله الآخرون به، بل قد يؤذيه أحيانًا ما منحهم إياه من نفسه قبل أن يعرف جيدًا كيف سيُحفظ.
كبرنا ونحن نسمع: «اكتم ذهبك، ذهابك، مذهبك»، وكنا ربما نراها مجرد حكمة في الكتمان، لكنني أراها اليوم أبعد من ذلك؛ أراها منهجًا كاملًا في التعامل مع العلاقات، يقوم على فكرة بسيطة وعميقة: أن لا تمنح كل شخص النسخة ذاتها منك، ولا تضع كل ما تملك في متناول كل من اقترب.
ففي كل علاقة مساحة ينبغي أن تُمنح بقدرها؛ هناك من يستحق حديثك، وهناك من يستحق ثقتك، وهناك من يستحق سرك، وبين هذه المستويات مسافات لا ينبغي أن نتجاوزها لمجرد أننا شعرنا بالألفة. فالألفة ليست دائمًا أمانًا، وكثرة الحديث ليست دليلًا على عمق العلاقة، ومعرفة تفاصيلك ليست بالضرورة علامة على المحبة.
ولهذا يبدأ الأمر من ذهبك؛ من الأشياء الثمينة التي تحملها في حياتك. نجاحك، خططك، أحلامك، علاقاتك، أفكارك، والنعَم التي وهبك الله إياها، ليس كل ما يفرحك يحتاج إلى أن يُروى، وليس كل إنجاز يحتاج إلى أن يُعلن، وليس كل حلم يحتاج إلى أن يعرف الناس خطواته قبل أن يصل. بعض الأشياء حين تبقى في هدوئها تنمو، وبعض النعم يحفظها الصمت أكثر مما يحفظها الكلام.
وليس المقصود أن نخاف من الآخرين أو أن نعيش في عزلة، وإنما أن ندرك أن الخصوصية ليست غموضًا، وإنما وعي بقيمة ما نملك. وحين ندرك قيمة ما نملك، ندرك كذلك قيمة من نسمح له بالاقتراب؛ فنحن لا نحتاج إلى أن نغلق أبوابنا، لكننا نحتاج أن نتعلم كيف نفتحها، فليس كل شخص يُسمح له بالدخول إلى المجلس ذاته في داخلك، وليس كل من أحببته يصبح بالضرورة مؤتمنًا على كل تفاصيلك. بعض العلاقات جميلة لأنها بقيت في مساحتها الصحيحة، وحين حاولنا أن ننقلها إلى مساحة أعمق مما تحتمل، بدأ جمالها يتغير.
ومن هنا يأتي ذهابك؛ فالإنسان لا يُختبر فقط في قدرته على بناء العلاقات، وإنما في قدرته على إنهائها حين تصبح مؤذية. بعضنا حين يقرر الرحيل يشعر بأنه مطالب بأن يشرح، ويبرر، ويثبت، ويستدعي كل ما حدث منذ بداية العلاقة حتى يقنع الآخرين بأنه صاحب الحق. لكن ماذا لو كان الرحيل أحيانًا أكثر نضجًا حين لا يتحول إلى قضية؟ ليس كل باب نغلقه يحتاج إلى ضجيج، وليس كل علاقة انتهت تحتاج إلى أن نروي قصتها، قد نغادر لأننا تغيرنا، أو لأن الطريق لم يعد يشبهنا، أو لأن البقاء أصبح يستنزفنا، وهذا وحده قد يكون كافيًا، أن تحترم ما كان، دون أن تجبر نفسك على الاستمرار فيما لم يعد صالحًا لك، وأن تخرج من حياة أحدهم دون أن تحمل أسراره معك، تلك أيضًا صورة من صور الأخلاق.
اكتم ذهابك لا يعني أن تتحمل الأذى، بل يعني أن تجعل انسحابك قرارًا يحميك، لا سلاحًا يؤذي غيرك، فهناك فرق بين أن تضع حدًا لعلاقة، وبين أن تجعل نهايتها عقوبة، وبين أن تحفظ كرامتك، وبين أن تنتقم لجرحك.
ثم يأتي مذهبك؛ طريقتك في التفكير، وقناعاتك، وقراراتك، والأشياء التي اخترتها لنفسك، وهنا نحتاج أن نتحرر من رغبتنا المستمرة في شرح أنفسنا للآخرين، ليس كل قرار يحتاج إلى تبرير، وليس كل اختلاف يحتاج إلى معركة، وليس كل شخص مطالبًا بأن يفهم لماذا اخترت طريقك، أحيانًا نُرهق أنفسنا في محاولة إقناع الآخرين بقرارات لم يكونوا أصلًا جزءًا من صناعتها. أن تعرف ماذا تريد، ولماذا اخترته، ثم تمضي؛ هذه ليست أنانية، بل استقلال، وأن تسمح للآخرين أن يختلفوا معك دون أن تعتبر اختلافهم تهديدًا لك، تلك إحدى علامات النضج في العلاقات.
ولذلك، ربما لا تكون الحكمة في أن نكتم كل شيء، وإنما في أن نعرف ماذا نقول، ولمن نقول، ومتى نقول، وماذا نترك لأنفسنا، أن نعطي دون أن نستنزف، ونقترب دون أن نذوب، ونثق دون أن نلغي وعينا، ونختلف دون أن نجرح، ونرحل دون أن نشوّه، ونحب دون أن نفقد أنفسنا.
العلاقات الناضجة لا تقوم على كشف كل شيء، بل على معرفة الحدود التي تجعل ما نكشفه في مأمن، فالخصوصية ليست جدارًا بيننا وبين الناس، وإنما باب نملك مفتاحه؛ نفتح حين نشعر بالأمان، ونغلق حين نشعر أن الدخول لم يعد صحيًا.
وربما أجمل ما نتعلمه بعد سنوات من العلاقات أن ليس كل من نحبهم يجب أن يعرفوا كل شيء عنا، وليس كل من ابتعدوا عنا يستحقون أن يعرفوا لماذا، وليس كل ما نؤمن به يحتاج إلى أن يتحول إلى خطاب للآخرين.
فكن حاضرًا بقلبك، لكن لا تتركه بلا حدود، وكن كريمًا في مشاعرك، لكن لا تجعل كرمك استباحة، وامنح الثقة، لكن اجعلها تُبنى مع الوقت لا تُمنح دفعة واحدة.
وفي النهاية، قد لا يكون معنى «اكتم ذهبك، ذهابك، مذهبك» أن تختبئ عن العالم، بل أن تعرف نفسك جيدًا حتى لا تمنح العالم أكثر مما ينبغي. احفظ ذهبك حتى لا يفقد قيمته، واحفظ ذهابك حتى لا تفقد كرامتك، واحفظ مذهبك حتى لا تفقد ذاتك. فبعض الصمت ليس خوفًا، وبعض الرحيل ليس هزيمة، وبعض الخصوصية ليست غموضًا؛ إنها ببساطة حكمة الإنسان حين يتعلم أن لكل علاقة حقها، ولكل إنسان مساحته، ولكل شيء ثمين… موضعًا لا يدخله الجميع.
