عندما تعتزل شغفك واهتمامك
بقلم: د. علي محمد الحازمي
أعرف هذا الشعور جيدا، ذلك الشعور الذي يأتي دون استئذان. تستيقظ في صباح عادي وتكتشف أن الأشياء التي كانت تشعل قلبك لم تعد تحرك فيك شيئا. لا غضب، لا حزن واضح، فقط برود غريب وصمت داخلي. لقد اعتزلت شغفك دون أن تقرر ذلك، ابتعدت عن اهتمامك دون أن تعلن حتى لنفسك. الأمر يشبه أن تنسى طريق بيت قديم كنت تحبه كثيرا، ليس لأنك كرهته، ولكن لأنك انشغلت بطرق أخرى ظننت أنها أكثر أهمية.
كلنا مررنا بهذه المرحلة. كنت تمارس ما تحب بشغف طفل صغير، تكتب، ترسم، تعزف، تصور، تقرأ، تعمل على فكرة تحبها لساعات دون أن تشعر بالوقت. ثم جاءت الحياة بكل ثقلها. التزامات، عمل، مقارنات، ضغط من الناس، وحاجة مستمرة لإثبات أن ما تفعله يستحق. شيئا فشيئا، تحول الشغف من مساحة راحة إلى مساحة اختبار، من حضن دافئ إلى ساحة سباق. وهنا تحديدا يبدأ القلب في الانسحاب، يحاول أن يحمي نفسه من خيبة جديدة، فيختار الصمت والابتعاد.
المؤلم في اعتزال الشغف أن أحدا لا يلاحظه. تستمر في حياتك بشكل طبيعي، تضحك، تعمل، تقابل الناس، لكن بداخلك هناك غرفة أغلقتها بالمفتاح. غرفة كانت مليئة بالضوء والفوضى الجميلة والأحلام الصغيرة. إغلاقها يجعلك تشعر أن يومك يمر فارغا مهما كان مزدحما. تشعر أنك تؤدي دورك جيدا، لكنك لا تعيشه. وهذا الفراغ لا يراه أحد، تشعر به وحدك في آخر الليل عندما تسأل نفسك، أين ذهب ذلك الشخص المتحمس الذي كنته؟
أريد أن أقول لك شيئا مهما، اعتزالك لشغفك لا يعني أنك شخص فاشل أو أنك لم تكن صادقا. هذا يعني فقط أنك إنسان تعب. الشغف يحتاج قلبا خفيفا حتى يطير، وعندما يثقل القلب بالهموم لا يستطيع الطيران. يحتاج وقتا بلا حساب، ونحن نعيش في وقت كله حساب. يحتاج حبا بلا شروط، ونحن ربطناه بالنتائج والمكاسب. من الطبيعي جدا أن يتعب ويبتعد قليلا حتى تهدأ العاصفة.
أحيانا يكون الاعتزال هدية غير متوقعة. تبتعد لتشتاق، وتشتاق لتتذكر قيمته الحقيقية. تبتعد لتكتشف أنك لم تعد نفس الشخص الذي بدأ هذا الطريق، وأنك تحتاج أن تحب شغفك بطريقة جديدة تناسب من أصبحت اليوم. الشغف الحقيقي لا يختفي، هو فقط يجلس في زاوية القلب ينتظرك أن تهدأ وتعود إليه دون ضغط ودون خوف. ينتظرك أن تقول له، اشتقت إليك، تعال نبدأ من جديد بهدوء.
إذا كنت اليوم في مرحلة اعتزال شغفك واهتمامك، فلا تؤنب نفسك. امنح نفسك بعض اللطف. لا تضع خطة كبيرة للعودة، فقط افتح تلك الغرفة المغلقة، أنر الضوء فيها، اجلس فيها خمس دقائق، المس أدواتك القديمة، اقرأ سطرا، اعزف نغمة، اكتب فكرة بسيطة. لا تفكر في النجاح ولا في رأي الناس، فقط تذكر كيف كان هذا الشيء يمنحك شعورا بأنك حي. العودة الصغيرة الصادقة أجمل بكثير من البقاء بعيدا وأنت ممتلئ بالحنين. شغفك لم يعتزلك، هو فقط ينتظرك أن تعود إليه كإنسان متعب يحتاج حضنا قديما يعرفه جيدا.
صحيفة ميديا بوست الإلكترونية
