هل نعاقب الناس على المحاولة؟
بقلم: الأستاذ طلال الطويرقي
في كل مجتمع طموح لا يمكن الحديث عن النجاح دون الحديث عن المحاولة، ولا يمكن أن نصنع جيلاً مبادراً إذا كنا نطالبه ضمنياً بألا يخطئ. لكن اللافت أن بعض الناس لا يخشون الفشل بقدر ما يخشون ما سيقال عنهم بعده.
فالمشروع الذي يتعثر، والمبادرة التي لا تحقق جميع أهدافها، والتجربة المهنية التي لا تكتمل كما خُطط لها، قد تتحول أحياناً من تجربة قابلة للمراجعة والتعلم إلى حكم على صاحبها، وكأن محاولة واحدة تكفي لتحديد قدراته ومستقبله.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين: المساءلة عن الخطأ، ومعاقبة الإنسان اجتماعياً على المحاولة. المساءلة ضرورة، والنقد حق، واحترام الأنظمة وحفظ الحقوق مسؤولية لا خلاف عليها، لكن ذلك لا يعني أن كل تجربة لم تنجح تستحق السخرية، أو أن كل متعثر غير مؤهل للمحاولة من جديد.
نحن بحاجة إلى ثقافة ترى التجربة كما هي.. نجاحها يُقدّر، وأخطاؤها تُراجع، ونتائجها تُقاس، وصاحبها يتحمل مسؤوليته ويتعلم منها ثم يمضي. فالإنسان الذي لم ينجح في تجربته الأولى قد يكون أكثر وعياً في الثانية، وصاحب المشروع الذي تعثر قد يصبح أكثر قدرة على إدارة مشروعه القادم، ومن أخطأ في قرار يستطيع أن يصححه متى امتلك الشجاعة للاعتراف والتعلم.
وهذا لا يعني تبرير التقصير أو صناعة بطولة من الفشل، فهناك فارق بين الخطأ الذي نتعلم منه والإهمال الذي يتكرر دون مراجعة أو مسؤولية.
وفي وطن يفتح مساحات واسعة للشباب والطموح وريادة الأعمال والابتكار، فإن مسؤوليتنا الاجتماعية لا تتوقف عند الاحتفاء بقصص النجاح، بل تشمل أيضاً صناعة بيئة تحترم المحاولة الجادة وتمنح أصحابها مساحة للتعلم والنهوض من جديد. لأننا عندما نطالب الشباب بالمبادرة ثم نحاكمهم بقسوة عند أول تعثر، فإن الرسالة التي تصل إليهم ليست “حاولوا” بل “لا تحاولوا إلا إذا ضمنتم النجاح”. والنجاح لا يملك أحد ضمانه.
لهذا ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا: هل نريد مجتمعاً لا يخطئ فيه أحد، أم مجتمعاً يعرف أفراده كيف يتعلمون من أخطائهم؟ فالأوطان الطموحة لا تحتاج إلى أشخاص يخشون التجربة، بل إلى أشخاص يملكون شجاعة المحاولة ووعي المراجعة ومسؤولية التصحيح.
