المصالحة المتبادلة في عالم وقطبية تتشكل نحو التعددية
رأي ميديا بوست
في عالم يتشكل من جديد، لم تعد فكرة انفراد قوة واحدة بمصير البشرية قابلة للحياة. نحن نعيش لحظة انتقال كبرى من نظام أحادي يفرض رؤيته إلى نظام تعددي يبنى على المصالحة المتبادلة. هذه المصالحة لم تعد خيارا دبلوماسيا، حيث أصبحت اليوم شرطا أساسيا لبقاء الاقتصاد والأمن والطاقة في حالة توازن.
في عالم يتشكل اقتصاديا، تبرز الصين كقطب لا يمكن تجاوزه. فوفق بيانات البنك الدولي واليونيدو، تستحوذ الصين على أكثر من 28% من القيمة المضافة للصناعة التحويلية عالميا، وتعد الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، وتساهم وحدها بنحو 30% من النمو الاقتصادي العالمي سنويا حسب صندوق النقد الدولي. هذه الأرقام تؤكد أن أي استقرار اقتصادي عالمي يحتاج إلى اندماج هذا القطب لا عزله.
وفي عالم يتشكل عسكريا وأمنيا، تبقى الولايات المتحدة القطب العسكري الأثقل وزنا. تقرير معهد ستوكهولم سيبري لعام 2023 يوضح أن واشنطن أنفقت 916 مليار دولار على الدفاع، أي 37.5% من الإنفاق العالمي، وتدير أكثر من 750 قاعدة عسكرية في 80 دولة. هذا الانتشار يجعلها الضامن الأبرز لأمن الممرات البحرية التي تمر عبرها 80% من تجارة العالم حسب منظمة التجارة العالمية.
أما في عالم يتشكل في ملف الطاقة، فتتقاسم روسيا والخليج العربي قيادة المشهد. وكالة الطاقة الدولية تؤكد أن روسيا تمتلك 19% من احتياطي الغاز العالمي وتعد ثالث أكبر منتج للنفط، بينما تشير أوبك إلى أن دول الخليج تمتلك 33% من احتياطيات النفط المؤكدة و21% من احتياطيات الغاز. والتحول الأهم أن الخليج العربي أصبح قطب خدمات لوجستية متكامل. فتقرير الأونكتاد 2023 صنف موانئ جبل علي والملك عبدالله وصلالة ضمن أكفأ عشرة موانئ حاويات في العالم، ومطار دبي الدولي استقبل أكثر من 86 مليون مسافر دولي في 2023 كأكبر مطار دولي في العالم.
هنا يأتي دور المصالحة المتبادلة والمتكاملة كحجر زاوية. فالعالم المتعدد الأقطاب لا يمكن أن يحكمه منطق الغلبة، يحكمه منطق المصلحة المشتركة التي هي سنة كونية تضمن استمرار الحياة. فما حاجة المصنع الصيني للطاقة الروسية والخليجية إذا كانت الممرات غير آمنة؟ وما قيمة الأمن العسكري الأمريكي إذا تعطلت سلاسل الإمداد التي تمر عبر الخليج؟ صندوق النقد الدولي حسم هذا الجدل برقم واضح في تقريره لعام 2024، أي صدمة في إمدادات الطاقة من الخليج وروسيا ترفع التضخم العالمي 1.5% وتخفض النمو 1%.
لذلك فإن الرؤية العالمية لعالم وقطبية تتشكل يجب أن تقوم على تحويل التنافس إلى مصالحة متبادلة ومتكاملة. هذا هو بالضبط هدف الأمم المتحدة في مادتها الأولى، حفظ السلم والأمن وتحقيق التعاون الدولي. الأمن والاستقرار العالمي لن يتحقق بقطب يهيمن، يتحقق بأربعة أقطاب تتصالح، قطبية اقتصادية تقودها الصين، وقطبية عسكرية تقودها أمريكا، وقطبية طاقة تقودها روسيا، وقطبية طاقة وخدمات لوجستية يقودها الخليج.
عندما تتصالح هذه الأقطاب على قاعدة المصلحة المشتركة ومن منظور تكاملي، نكون قد بنينا عالما آمنا ومستقرا، عالما يتشكل بإرادة الجميع لا بإرادة قطبية واحدة.
