حينما تحتار بين العنب والتفاح… كيف تختار تخصصك ؟
بقلم: د. جواهر الروقي
احتار أحدهم يومًا بين شراء العنب أو التفاح. كان يشتهي كليهما، لكن قدرته المادية لا تسمح إلا بأحدهما. أمسك بالثمار طويلًا، يقلبها بعينيه، ويتخيل طعم كل واحدة، وفوائدها، والشعور الذي سيعيشه بعد تناولها ، طال تردده حتى غادر البائع، وانتهى الأمر وقد خسر الخيارين معًا ، هذه القصة لا تتحدث عن الفاكهة بقدر ما تتحدث عن حياتنا.
كم من شاب يقف اليوم أمام مفترق الطرق ذاته، ولكن بصورة أكبر وأعمق؟ يقف بين تخصصين، أو ثلاث، وربما أكثر. يفكر: أيها سيحقق لي دخلًا أعلى؟ وأيها أكثر مكانة؟ وأيهما يرضي عائلتي؟ وأيهما أستطيع أن أبدع فيه؟ ويظل يؤجل القرار خوفًا من الخطأ، حتى يجد أن الفرص بدأت تتسرب من بين يديه ، المشكلة ليست في كثرة الخيارات، وإنما في غياب منهج الاختيار.
لقد علمنا الإسلام أن الاختيار ليس اندفاعًا وراء العاطفة، ولا استسلامًا لضغط المجتمع، ولا تقليدًا للأصدقاء، وإنما هو مزيج متوازن بين الأخذ بالأسباب، واستشارة أهل الخبرة، ثم تفويض الأمر إلى الله ، كان النبي ﷺ يعلم أصحابه صلاة الاستخارة في الأمور كلها، وكأنها رسالة خالدة تقول: اجمع معلوماتك أولًا، ثم استشر، ثم استخِر ربك، ثم امضِ ولا تتردد.
الاستخارة ليست وسيلة لمعرفة الغيب، وليست انتظار حلم أو علامة خارقة، وإنما هي إعلان صادق بأنك بذلت ما تستطيع، ثم سلمت ما لا تستطيع إلى من يعلم السر وأخفى ، فإن يسر الله الطريق فامضِ مطمئنًا، وإن صرفه عنك فارضَ؛ فلعل الخير فيما اختاره الله لك ، وعند اختيار التخصص، يخطئ كثيرون حين يجعلون السؤال الوحيد: “أي تخصص مطلوب في سوق العمل؟”
والأصح أن تكون الأسئلة أكثر نضجًا:
هل أملك الاستعداد لهذا المجال؟
هل سأستمتع بالتعلم فيه سنوات طويلة؟
هل يناسب قدراتي وشخصيتي؟
هل أستطيع أن أقدم من خلاله نفعًا للناس؟
هل يتوافق مع احتياجات المستقبل دون أن أفقد نفسي؟
فالنجاح لا يصنعه التخصص وحده، وإنما يصنعه الإنسان الذي أحسن اختيار الطريق، ثم سار فيه بإتقان ، ومن الأخطاء أيضًا أن يختار الإنسان تخصصًا ليرضي الآخرين، ثم يقضي سنوات عمره يحمل حلمًا لم يكن حلمه أصلًا ، فالناس قد يصفقون لاختيارك اليوم، لكنهم لن يعيشوا حياتك غدًا، ولن يتحملوا نتائج قرارك.
وفي المقابل، لا يعني اتباع الشغف أن نتجاهل الواقع، بل الحكمة أن نوازن بين الميول والفرص، وبين الرغبة والإمكانات، وبين الطموح والحاجة ، فخير الأمور أوسطها ، ومن جميل المنهج النبوي أنه يزرع في القلب الطمأنينة بعد اتخاذ القرار، فلا يعيش الإنسان أسير عبارة: “لو أنني اخترت التخصص الآخر.” لأن المؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله إذا اختار لعبده طريقًا بعد صدق الاستخارة وحسن الأخذ بالأسباب، فإن في ذلك الخير وإن تأخر ظهوره.
اختيار التخصص ليس اختيارًا لأربع سنوات جامعية فحسب، بل قد يكون اختيارًا لرسالة عمر كاملة ، فلا تتعجل، ولا تتردد حتى تضيع الفرصة، ولا تجعل الآخرين يقررون عنك، ولا تعتمد على أمنية مجردة ، اجمع المعلومات، واستشر العقلاء، واستخِر الله، ثم امضِ بقلب مطمئن ، فربما كان العنب خيرًا لك، وربما كان التفاح، ولكن الخير الحقيقي ليس فيما اخترته أنت، بل فيما اختاره الله لك بعد أن صدقت في طلبه .
