إعلام الانتباه.. هل يعترف بالأدوات؟
مقال كُتب بقلم الأستاذة صالحة علي الحربي.
حين أصبحت الثواني عملةً.. وأصبح العقل هو المنافس الحقيقي.. اليوم لم يعد العالم يعيش ثورةً إعلامية، حيث دخل مرحلةً أكثر تعقيدًا يمكن وصفها بـ”حرب الانتباه”. إنها معركة لا تدور حول الخبر، ولا حول المنصة، ولا حتى حول سرعة النشر، بل حول المورد الأكثر ندرة في القرن الحادي والعشرين: انتباه الإنسان.
فالمتلقي اليوم يستيقظ على عشرات الإشعارات، ويعبر مئات المنشورات، ويشاهد آلاف الرسائل البصرية في يوم واحد، حتى أصبح الزمن الذي يمنحه لأي محتوى لا يُقاس بالدقائق، بل بالثواني. ومن هنا تغيّرت قواعد الإعلام جذريًا؛ فلم يعد السؤال: من يملك المعلومة؟ بل: من يستطيع أن يجعل الناس يتوقفون أمامها؟
لكن هذا التحول الكبير يفرض سؤالًا أكثر عمقًا: هل يعترف إعلام الانتباه بالأدوات، أم يعترف بالعقول التي تحسن توظيفها؟
شهدت السنوات الأخيرة انفجارًا غير مسبوق في أدوات صناعة المحتوى. فالذكاء الاصطناعي يكتب، ويترجم، ويحلل، ويصمم، وينتج الصور والفيديوهات خلال لحظات، بينما أصبحت الهواتف الذكية استوديوهات متنقلة، وتحولت المنصات الرقمية إلى مؤسسات إعلامية مفتوحة أمام الجميع.
وللمرة الأولى في التاريخ، أصبح الوصول إلى أدوات الإنتاج شبه متساوٍ بين الأفراد والمؤسسات. وهذا التحول ألغى احتكار التقنية، لكنه لم يلغِ احتكار الإبداع.
فالفرق الحقيقي لم يعد في امتلاك الأداة، وإنما في امتلاك الرؤية.. يمكن لشخصين أن يستخدما البرنامج ذاته، وأن يستعينا بالأداة نفسها، لكن أحدهما يصنع فكرة تبقى في ذاكرة الناس، بينما ينتج الآخر محتوى يختفي بعد ساعات، لأن التقنية تستطيع أن تكرر الشكل، لكنها لا تستطيع أن تكرر البصمة الفكرية.. لقد دخل الإعلام مرحلة لم يعد فيها المحتوى هو الملك كما كان يُقال سابقًا، بل أصبح المحتوى ذو القيمة هو الملك، وأصبح الانتباه هو العرش الذي يتنافس عليه الجميع..
والمولفت أن كثيرًا من صناع المحتوى وقعوا في وهمٍ جديد، مفاده أن إتقان الأدوات يعني ضمان النجاح. فبدأ السباق نحو أحدث التطبيقات، وأسرع المنصات، وأقوى برامج الذكاء الاصطناعي، بينما تراجع الاستثمار في القراءة، والتحليل، وبناء الثقافة، وفهم الجمهور.
وهنا تكمن المفارقة!
كلما أصبحت الأدوات أكثر ذكاءً، ازدادت الحاجة إلى إنسان أكثر وعيًا..
فالخوارزميات تستطيع أن تعرف ماذا يحب الجمهور، لكنها لا تعرف ماذا يحتاج إليه. وهي قادرة على قياس التفاعل، لكنها عاجزة عن قياس الأثر الحقيقي الذي يتركه المحتوى في الوعي الجمعي…
ولهذا فإن الإعلامي الذي يطارد الأرقام فقط، قد ينجح لحظة، لكنه يخسر مستقبله المهني على المدى البعيد. أما الإعلامي الذي يبني الثقة، ويقدم قيمة حقيقية، فإنه قد يتأخر في الوصول، لكنه يصل بثبات، ويبقى حضوره أطول من عمر أي خوارزمية..
لقد فرض الذكاء الاصطناعي واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله، لكنه في الوقت نفسه كشف حقيقة مهمة؛ وهي أن الآلة أصبحت تجيد تنفيذ الأوامر، لكنها لا تجيد طرح الأسئلة الكبرى…
فالآلة لا تمتلك فضول الصحفي، ولا حس الكاتب، ولا حدس المحلل، ولا قدرة المفكر على الربط بين الأحداث واستشراف المستقبل. إنها تقدم الاحتمالات، أما الرؤية فتبقى مسؤولية الإنسان..
ومن هنا فإن مستقبل الإعلام لن يكون صراعًا بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل بين إعلامي يستخدم التقنية ليضاعف أثره، وآخر يسمح للتقنية أن تختزل دوره…
إن القيمة الحقيقية في العصر الرقمي لم تعد في إنتاج أكبر كمية من المحتوى، بل في إنتاج أكثره تأثيرًا. فالجمهور لم يعد يعاني من نقص المعلومات، يعاني من فائضها، ولم يعد يبحث عن الخبر فقط، أصبح يبحث عن من يساعده على فهم الخبر، وتحليله، وربطه بالسياق، واستشراف نتائجه..
ولذلك فإن المؤسسات الإعلامية التي ستقود المستقبل ليست الأكثر امتلاكًا للأدوات، وإنما الأكثر قدرة على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى قرار…
وفي ظل هذا المشهد، تبرز العلامة الشخصية للإعلامي باعتبارها رأس المال الحقيقي. فالجمهور قد ينسى اسم المنصة، لكنه يتذكر صاحب الفكر، ويعود إلى من يثق بتحليله، لا إلى من يكرر ما يقوله الآخرون.
إن أخطر ما قد يواجه الإعلام اليوم ليس الذكاء الاصطناعي، ولا تغير الخوارزميات، ولا سرعة المنصات، بل تشابه المحتوى. فعندما يستخدم الجميع الأدوات ذاتها، والقوالب ذاتها، والمفردات ذاتها، يصبح الاختلاف الفكري هو الميزة التنافسية الوحيدة.
وهنا يعود الإنسان إلى مركز المشهد من جديد.
فالأداة قد تختصر الوقت، لكنها لا تصنع البصيرة.. والخوارزمية قد تمنح الانتشار، لكنها لا تمنح المصداقية…
والذكاء الاصطناعي قد يكتب آلاف الكلمات، لكنه لا يستطيع أن يمنح النص تجربة صاحبه، ولا رؤيته، ولا إحساسه، ولا مسؤوليته الأخلاقية…
لذلك، فإن إعلام الانتباه لا يعترف بالأدوات بوصفها غاية، بل يراها مجرد وسيلة… أما الاعتراف الحقيقي، فيمنحه للعقل الذي يحول التقنية إلى رسالة، والمعلومة إلى معرفة، والانتباه إلى تأثير مستدام…
وفي نهاية المسار، سيظل السؤال الأهم لكل إعلامي، ولكل صانع محتوى، ولكل مؤسسة إعلامية:
هل تسعى إلى جمع المشاهدات.. أم إلى صناعة الأثر؟
فالفرق بينهما هو الفرق بين من يلفت الأنظار اليوم، ومن يغيّر طريقة التفكير غدًا.
