التدوير وإعادة الاستخدام من أجل تنمية مستدام
بقلم: د. علي محمد الحازمي
مع تضاعف استهلاك البشرية للمواد الخام أربع مرات منذ عام 1970 وتجاوزه اليوم حاجز 100 مليار طن سنوياً، أصبح من الواضح أن نموذج “استخرج، استخدم، ثم ارمِ” لم يعد قابلاً للاستمرار. في مواجهة أزمتي المناخ وفقدان التنوع الحيوي، يبرز التدوير وإعادة الاستخدام كأداتين جوهريتين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وهنا تأتي رؤية السعودية 2030 لتؤكد أن الحفاظ على الموارد ليس ممارسة ثانوية وإنما التزام وطني تجاه الأجيال القادمة. فالرؤية وضعت الاستدامة في صميم تحولها الاقتصادي، وجعلت من ترشيد الاستهلاك وإعادة استخدام الموارد ركيزة أساسية لبناء اقتصاد دائري يضمن استمرارية النمو دون المساس بحقوق من سيأتون بعدنا.
تكشف البيانات العالمية عن فجوة مقلقة بين الطموح والواقع. فبحسب تقرير Circle Economy لعام 2025، انخفضت نسبة تدوير المواد في الاقتصاد العالمي إلى 6.9% فقط، بعد أن كانت 7.2% في 2023. وحتى في البلاستيك، لا تتجاوز نسبة التدوير 9% عالمياً، بينما يهدر العالم سنوياً ما قيمته 10 تريليون يورو بسبب النفايات في نهاية عمر المنتجات التي لم يتم إعادة استخدامها أو تدويرها. وتتوقع منظمة WRAP أن يرتفع توليد النفايات بأكثر من 80% بحلول 2050 مقارنة بمستويات 2020، ما يعني خسارة مزيد من القيمة ما لم يتم التدخل سريعاً.
وفي هذا السياق، تعمل المملكة من خلال رؤية 2030 على تحويل هذا التحدي إلى فرصة. فالاستثمار في البنية التحتية لإعادة التدوير، وتطوير المدن المستدامة، ودعم الابتكار في مجال إدارة النفايات، كلها محاور وضعتها الرؤية لضمان كفاءة استخدام الموارد الطبيعية والحفاظ عليها. فالماء والطاقة والتربة ليست موارد مستهلكة فقط، وإنما هي أمانة يجب أن تنتقل للأجيال القادمة بنفس الجودة أو أفضل.
وتظهر أمثلة عملية على الأرض حجم التحدي والفرصة معاً. في قطاع النفايات الإلكترونية، ارتفعت كميات المخلفات بمعدل أسرع خمس مرات من معدلات التدوير الموثقة، ولم يتم تلبية أكثر من 1% من الطلب على العناصر الأرضية النادرة من خلال تدوير النفايات الإلكترونية. وفي عام 2022 وحده، تولدت في آسيا نحو 30 مليون طن متري من النفايات الإلكترونية، أي ما يعادل نصف الكمية العالمية.
على صعيد السياسات الدولية، بدأت بعض الدول تتحرك. فقد أشار تقرير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن 76 دولة والاتحاد الأوروبي أبلغوا عن 616 أداة سياساتية للاستهلاك والإنتاج المستدام، منها 86 أداة جديدة أو محدثة في عام 2025 بزيادة 14%. كما دعت الأمم المتحدة إلى استثمار نحو 54 مليار دولار حتى عام 2040 في خدمات جمع النفايات العامة. وهذا يتوافق مع توجهات رؤية 2030 التي تركز على الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص والمجتمع لرفع معدلات التدوير وإعادة الاستخدام، وتشجيع ثقافة الاستهلاك المسؤول التي تضع الإنسان والبيئة في قلب التنمية.
إن التدوير وإعادة الاستخدام ليسا خيارين ثانويين، وإنما ضرورة لبقاء منظومة كوكبنا واستمرار رفاه الإنسان. وفي هذا الإطار تجسد رؤية 2030 التزام المملكة بالحفاظ على موارد الأجيال القادمة، من خلال سياسات تربط بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وجودة الحياة. فالمستقبل الذي نطمح إليه لا يقاس بما نستخرجه من الأرض اليوم، وإنما بما نتركه سليماً للأجيال التي ستأتي بعدنا. وبهذا تصبح إعادة التدوير وإعادة الاستخدام عقداً أخلاقياً ووطنياً لاستدامة الحياة.
