الحلقة الثانية من برنامج “الأدب الخالد” – الهجيني.. بحر البادية الأصيل
التحرير – الثقافية
لكل أرض صوت، وصوت الصحراء كان الهجيني. هناك حيث تمتد الرمال بلا نهاية، وتتعاقب القوافل بين الآفاق، لم يكن المسافر يحمل زاده فحسب، كان يحمل صوته أيضا. فإذا طال الطريق واشتدت وحشة السفر، صدح ببيت من الشعر يخفف عن النفس عناء الرحلة، ويواكب بخطاه إيقاع الهجن وهي تمضي في الفلاة. ومن هذا المشهد ولد الهجيني، أحد أعرق ألوان الشعر والغناء الشعبي في الجزيرة العربية، فن حمل ذاكرة البادية وروى حكاياتها وحفظ مشاعر أهلها جيلا بعد جيل.
إذا أردنا أن نفهم الهجيني فعلينا أن نبدأ من الصحراء نفسها، فالبدو لم يعرفوا الغناء ترفا، عرفوه حاجة وضرورة للرحلة. كانت الرحلات تمتد أياما وربما أسابيع، ولا يرافق القافلة سوى صمت الرمال وصفير الريح ووقع أخفاف الإبل. وفي تلك المسافات الطويلة ارتفع صوت الحادي ينشد أبياتا قصيرة تتناغم مع حركة الهجن، فتخفف مشقة السفر وتؤنس الرفاق، حتى أصبح هذا اللون يعرف باسم الهجيني نسبة إلى الهجن وهي الإبل المخصصة للركوب والسباق. ولم يظل الهجيني مقصورا على الترحال، تجاوز الصحراء إلى المجالس والأسواق والمناسبات، وأصبح لونا شعريا وغنائيا قائما بذاته، ينشد أحيانا بصوت منفرد، وأحيانا تصاحبه الربابة تلك الآلة الوترية التي ارتبطت بوجدان البادية ومنحت الهجيني بعدا موسيقيا زاد من حضوره وتأثيره. وقد اشتهر هذا الفن في شمال المملكة العربية السعودية، ثم امتد إلى مناطق أخرى من الجزيرة العربية والخليج، مع اختلافات في الأداء واللهجة بينما بقيت روحه واحدة، روح الإنسان الذي اتخذ من الشعر رفيقا للطريق.
وليس الهجيني مجرد أبيات تلقى، هو أداء وإيقاع وحضور. وقد عرف له نمطان رئيسيان، أولهما يؤدى على ظهور الهجن أثناء السير، فيأتي اللحن متوافقا مع وقع أخفافها، وثانيهما يغنى في المجالس والاحتفالات الشعبية وغالبا ما تصاحبه الربابة ويتفاعل معه الحضور بالترديد. وتختلف سرعة اللحن باختلاف سرعة سير الإبل، لذلك ارتبطت به مسميات مثل الدرهمة والزرفال والمسري وكلها تعكس تنوع الأداء تبعا للموقف والرحلة. ومن أشهر ما يروى في الهجيني قول الشاعر محمد بن عاصي العطوي يا راكبا فوق ما يدلي لو يسهج العشب ما يذوقه له مركب كنه الزلي يشره على الطير ولحوقه، وفي هذه الأبيات تتجلى صورة الهجن الأصيلة التي لا يثنيها طول الطريق ولا تبطئها وعورة المسالك حتى تبدو في سرعتها وكأنها تلحق بالطير. غير أن الباحثين يلفتون إلى مسألة مهمة وهي ضرورة عدم الخلط بين بحر الهجيني بوصفه قالبا شعريا، وبين لحن الهجيني بوصفه أسلوبا في الأداء، كما لا ينبغي الخلط بينه وبين ألوان شعبية أخرى مثل المسحوب والسامري، فلكل منها خصائصه الفنية وإن اشتركت جميعها في انتمائها إلى التراث النبطي.
وحين أثبت الهجيني حضوره في حياة البادية، لم يعد مجرد حداء للمسافر، أصبح لونا شعريا يطرق أبواب الإبداع، فتنافس الشعراء في نظمه كل بلغته وصوره وإحساسه، حتى غدا أحد أكثر ألوان الشعر النبطي حضورا في الجزيرة العربية. ومن أبرز من ارتبط اسمه بالهجيني الأمير محمد بن أحمد السديري الذي خلد هذا اللون بقصائد ما زالت تتردد على ألسنة المنشدين ومن أشهرها تلعب بقلبي وأنا أطيعك وأنت سبب كل ما جاني أنا اللي أشريك ما أبيعك لو غلقوا فيك الأثماني، وقد أصبحت هذه الأبيات من أشهر ما يغنى على لحن الهجيني لما تمتاز به من خفة الإيقاع وسلاسة اللفظ. وللهجيني وجه آخر أكثر اتساعا تجلى في قصائد الشاعر الكبير عبدالله بن نايف بن عون الذي ارتقى بهذا الفن إلى قصائد طويلة عرفت بالهجيني المرفوع ومن أجمل مطالعها يا مل قلب يسج وفيه دولاجه من هاجس بالضماير قام يدرجها، وفي هذا المطلع يصور ابن عون قلبا لا تهدأ خواطره تتناوب عليه الهواجس حتى تمضي به في دروب التأمل والحنين وهو تصوير يكشف أن الهجيني لم يكن لونا للرحلة وحدها، لقد أصبح وعاء للمشاعر الإنسانية بكل ما فيها من شوق وتأمل وألم. ومع تعاقب الأجيال ظل الهجيني حاضرا في قصائد الشعراء والأمراء ومنهم الأمير خالد بن يزيد الذي قال يستاهل العقد لباسه يزهى به العقد في جيده الماسة تلبس الماسة ما زادها الجوهر تزيده وهو نموذج يجمع بين رشاقة اللفظ وجمال الصورة ويعكس قدرة الهجيني على التعبير عن العاطفة بلغة عذبة قريبة من السمع. ولم ينقطع هذا الامتداد في العصر الحديث، وجد الهجيني صداه في شعر الأمير خالد الفيصل الذي كتب على هذا القالب قصيدته المعروفة تستاهل الحب نجديه رفيعة الشان عجابه العين يا عين بحريه لقلوب الأحباب نهابه، وقد أسهمت الأعمال المغناة المستمدة من هذا اللون في تعريف أجيال جديدة بجمال الهجيني لتبقى القصيدة الشعبية حاضرة في الذاكرة وإن تبدلت الأزمنة.
